الجمعة، 31 يناير 2014

فاعلم أنه لا إله إلا الله

د / بشر بن فهد البشر

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
أما بعد:
فإن الله عز وجل ما خلق الخلق إلا لعبادته قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذريات:56)
فعبادة الله تعالى هي الأساس والحكمة والغاية التي خلقت من أجلها الخليقة.
ولذلك كانت كلمة التوحيد ، كلمة (لا إله إلا الله "  التي تدل على عبادة الله وحده هي أساس دعوة الرسل وهي أصل الأديان التي أنزلها الله عز وجل على عباده .
فهي أصل الإسلام ، وأساسه ، وهي التي دعت إليها الرسل جميعهم – عليهم الصلاة والسلام – ومن أجلها خلق الله عز وجل الجنة والنار .
ولذا كان مما يجب  على المسلم أن يعلم معنى هذه الكلمة العظيمة ويعمل بمقتضاها ليكون من الناجين عند الله تبارك وتعالى ولذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد:19) .  

فالعلم بـ "  لا إله إلا الله "  وبما دلت عليه ، وبحقيقة معناها ضرورة من ضرورات الحياة لا يمكن أن يعيش الإنسان سعيداً هنيئاً بدونها ،  ولا يمكن أن يكون فائزاً في أخراه بدونها .

ومعرفة  لا إله إلا الله تكون للاعتقاد ، وتكون للعمل ، لا لأحدهما دون الآخر ، وقد كان العرب في جاهليتهم  يعرفون معنى كلمة التوحيد ، فبعضهم علم بها وقبلها ، وعمل بمقتضاها فكان من السابقين السعداء .

وبعضهم علم معناها ولكنه أبى الانقياد لها وقبولها فكان من الأشقياء .
فإنهم لما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم  وطلب منهم أن يقولوا كلمة واحدة تدين لهم العرب – يعني تطيع  -  ويملكون بها العجم قالوا له :  نعطيك عشر كلمات فقال عليه  الصلاة والسلام : ﴿ قولوا لا إله إلا الله فقالوا ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (صّ:5) .

فعلموا المعنى ، وعرفوا أنهم إذا قالوا " لا إله إلا الله " تغيرت حياتهم ، وانتقلوا من حياة إلى حياة وانقطعت صلتهم انقطاعاً تاماً في الاعتقادات والتعبدات بطريقتهم الأولى ،  ولما فسد السليقة ، وتغيرت المعرفة بلغة العرب جهل المسلمون معنى كلمة التوحيد ، جهلوا معنى " لا إله إلا الله " فأصبح كثيرون ينطقونها ولكنهم في واقع الأمر ينقضونها .

إذاً لا بد من شرح معنى هذه الكلمة ،  ولا بد من بيان ما دلت عليه ، ولا بد  من بيان نواقضها حتى يكون  المسلم على بصيرة من دينه خاصة في هذا  الوقت الذي تكالبت فيه الأمم على أمة الإسلام فكان لزاماً على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تعيد النظر في نفسها ، وفي الخلل الذي أضر بها ، وهذا الخلل معظمه من الداخل وأقله من الخارج.
إن أصل الإسلام يقوم على الشهادتين :
شهادة " أن لا إله إلا الله "  وشهادة " أن محمداً رسول الله " .
فشهادة أن لا إله إلا الله معناها : توحيد المعبود ، وشهادة أن محمداً رسول معناها : توحيد المتبوع – عليه  الصلاة والسلام -  وسنتكلم عن الأولى شهادة "  أن لا إله  إلا الله " ، فمن شهد أن لا إله إلا الله وعلم معناها وعمل بمقتضاها فإنه تلقائياً يشهد أن محمداً رسول الله .
إن معنى كلمة  " شهادة " في لغة العرب : الخبر القاطع الصادر عن علم ويقين . فتضمنت كلمة الشهادة أمرين :
الأول : علم ويقين ، وهذا يكون في القلب .
الثاني : إخبار وإعلام ، وهذا نطق باللسان ، وهو القول .
وإذا تبين معنى كلمة شهادة  فإن كلمة لا إله إلا الله تعنى أنه لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى.  فالإله : مأخوذ من أله يأله ومعنى أله في اللغة :عَبَدَ.
فالإله : هو المعبود المطاع الذي تألهه القلوب ، أي تتجه له وتقصده وتخضع له وتذل له وتتعلق به خشية وإنابة ومحبة وخوفاً وتوكلاً عليه وإخلاصاً له تبارك وتعالى .
فـ " لا إله إلا الله " معناها : لا معبود بحق إلا الله .
وقولنا : " بحق " لنخرج من عُبِدَ بالباطل، وهم كل من صرف له نوع من أنواع العبادة من دون الله تعالى ، وهم كثير من الأصنام ومن الصالحين ومن غيرهم .
فالله تعالى هو المستحق للعبادة وحده ، وكل من عبد سواه فالباطل  فلا حق في الألوهية لمخلوق ، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل .
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (الحج:62) .
وهذه الكلمة تشتمل على ركنين :
نفي وإثبات .
فالنفي هو قولنا " لا إله " والإثبات هو قولنا " إلا الله "  .
فـ  " لا إله " نفي جميع ما يعبد من دون الله تعالى ،  " وإلا الله "  : إثبات جميع أنواع العبادة لله رب العالمين وحده لا شريك له في عبادته ، كما لا شريك له في ملكه ، وربوبيته ، ففيها إذن براءة من كل ما يعبد من دون الله تبارك وتعالى ، وفيها تحقيق العبودية لله وحده .
وقد جاء معنى الكلمة العظيمة في آيات كثيرة من كتاب الله قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (النحل:36) .
فقوله تعالى : ﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ هو معنى قوله " إلا الله "  وقوله : ﴿ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ هو معنى قوله " لا إله " .
وقال تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (الأنبياء:25) .
وقال تعالى : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة: من الآية256)
فقوله جل وعلا " ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ هو معنى قوله : " لا إله "  ومعنى قوله : ﴿ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ هو معنى : " إلا الله " فهي إذا تفيد نفس معنى لا إله إلا الله .
وكذلك قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (الزمر:17، 18) .
وقال تعالى : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة:5) .
ومعنى قوله : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ هو معنى قوله : " لا إله إلا الله " لأن معنى قوله ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا هو حصر للعبودية لتكون حقاً خالصاً لله رب العالمين ، وأكد ذلك قوله : ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ .
ومعنى حنفاء : مائلين عن الشرك إلى التوحيد .
وإن كل رسول أرسله الله عز وجل منذ أن أرسل نوحاً إلى أن أرسل خاتمهم محمداً صلى الله عليه وسلم يقول لقومه : ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ (هود: من الآية50) .
فهي أول ما تدعو إليه الرسل أقوامهم ، وإن كانت دعوات الرسل تشتمل أيضاً على بقية الاعتقادات والعبادات وغيرها ، ولذلك نجد أن شعيباً- عليه السلام- يدعو إلى عبادة الله وحده ، ثم بعد ذلك ينهاهم عن التطفيف في المكيان والميزان .
وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام دعوتهم لإخلاص العبودية لله وحده ولأخذ الأوامر والنواهي من الله رب العالمين .
وقد اشتملت كلمة التوحيد على أنواع التوحيد كلها .
* على توحيد الألوهية .
* وتوحيد الربوبية .
* وتوحيد الأسماء والصفات .
فتوحيد الألوهية مطابقة ، أي اشتملت عليه مطابقة . ودلالة المطابقة معناها : دلالة اللفظ على تمام ما وضع له في لغة العرب .
واشتملت على توحيد الربوبية والأسماء والصفات تضمناً ، ودلالة التضمين معناها : دلالة اللفظ على جزء معناه كدلالة الإنسان على بعض أعضائه .
فتوحيد الألوهية ويقال له : توحيد العبادة هو توحيد الله تبارك وتعالى بأفعال عباده أي أن العباد يفرون ربهم تبارك وتعالى بكل أنواع العبادة ويخلصون له فيها جل وعلا ، فلا يشركون معه غيره .
فالعبادة حق خالص لله تعالى لا حظ فيها لأحد لا من الملائكة المقربين ولا من الأنبياء المرسلين ولا من الأولياء الصالحين ولا من غيرهم .
والعبادة باعتبار ما أمر الله به : اسم جامع لكل ما يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة ، فشملت إذاً كل أمور الحياة ، ولذلك قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأنعام:162) .
فالحياة كلها ثم ما بعدها كلها لله تبارك وتعالى يجب أن يكون المسلم سائراً فيها مخلصاً لربه سبحانه .
أما توحيد الربوبية فهو توحيد الله بأفعاله سبحانه من الملك والخلق والتدبير ،  وهذا النوع كان يقر به المشركون الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا في زمنه عليه الصلاة والسلام ، بخلاف توحيد الألوهية فإن توحيد الألوهية لم يكونوا يقرون به كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله .
ولذلك قال الله تعالى : ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ (الزخرف: من الآية87) .
﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (الزخرف:9) .
فأخبرنا الله عز وجل أن المشركين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعترفون بربوبيته سبحانه  ، ولكنهم كانوا مختلفين في الألوهية يعني في إفراد الله سبحانه بأنواع العبادات كلها .
أما توحيد الأسماء والصفات فهو إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلا من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل على حد قوله تبارك وتعالى : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الشورى:11)

فضائل كلمة التوحيد :  
إن هذه الكلمة ، كلمة التوحيد لها فضائل عظمى ، جمع زُبَد هذه الفضائل العلامة الشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تعليقه على كتاب التوحيد ، وأنقل لكم بعض ما قاله ملخصاً قال – رحمه الله – عن التوحيد : " وما قاله عن التوحيد ينطبق على كلمة التوحيد " إن التوحيد هو الفرض الأعظم على جميع العبيد ، وليس شيء من الأشياء له من الآثار الحسنة والفضائل المتنوعة كالتوحيد ، فإن خيري الدنيا والآخرة من ثمرا ت التوحيد وفضائله ، ثم قال – رحمه الله - : إن مغفرة الذنوب وتكفيرها من بعض فضائله وآثاره ، قال : ومن فضائل التوحيد أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة ودفع عقوبتهما .
ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار إذا كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل ، وإذا كمل التوحيد في القلب فإنه يمنع دخول النار نهائياً .
ومنها أن صاحبه يحصل على الهدى الكامل والأمن التام في الدنيا والآخرة ومن فضائله : أن أسعد الناس بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من قال  لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) .
ومنها : أن جميع الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة  والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها على التوحيد ، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله  جل وعلا كملت هذه الأمور وتمت .
ومنها : أنه يسهل على العبد فعل الخيرات وترك المنكرات ويسليه عن المصائب ، فالمخلص لله في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات لما يرجو من ثوابها ، ويهون عليه ترك المعاصي لما يخشى من سخط الله وعقابه .
ومنها : أن  التوحيد يخفف عن العبد المكاره ويهون عليه الآلام ،  فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان يكون تلقيه للمكارة والآلام بقلب منشرح ونفس مطمئنة وتسليم ورضي بأقدار الله المؤلمة .
ومن أعظم فضائله : أنه يحرر العبد من رق المخلوقين والتعلق بهم وخوفهم ورجائهم والعمل لأجلهم ، وهذا هو العز الحقيقي والشرف العالي ، ويكون مع ذلك متألهاً لله ، متعبداً له سبحانه لا يرجو سواه ولا يخشى إلا إياه ولا ينيب إلا إليه ، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه .
ومنها: أنه إذا كمل في القلب بالإخلاص التام  فإن يُصير القليل من العمل كثيراً وتضاعف الأعمال والأقوال بغير حصر ولا حساب .
ومنها : أن الله جل وعلا تكفل لأهل التوحيد بالفتح والنصر في الدنيا  والعز والشرف وحصول الهداية والتيسير لليسرى وإصلاح الأحوال والتسديد في الأقوال والأفعال .
ومنها: أن الله جل وعلا يدافع عن الموحدين ، أهل الإيمان يدافع عنهم شرور الدنيا والآخرة ويمن عليهم بالحياة الطيبة والطمأنينة إليه والطمأنينة بذكره  ، ثم قال في ختام كلامه : وشواهد هذه الجمل من الكتاب والسنة كثيرة معروفة .

بعض ما اشتملت عليه كلمة التوحيد : 
وكما اشتملت كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " على كل أنواع التوحيد فليعلم أيضاً أنها قد نفت كل شرك قليلاً كان أو كثيراً ، جلياً كان أو خفياً ، وأوجبت الكفر بما يعبد من دون الله تعالى ، فلا يتم الإيمان ولا يكون أصلاً إلا بذلك ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (البقرة: من الآية256) .  ثم إن كلمة " لا إله إلا الله "  قد اشتملت على أمر عظيم وهام يجب أن يتفطن له المسلمون خاصة في هذا العصر، فقد اشتملت على أن التشريع والحاكمية حق لله تبارك وتعالى ، وهذا داخل  في أنواع التوحيد الثلاثة ، فدخوله في توحيد الألوهية من حيث أن الله تعالى هو المعبود المطاع، والمعبود هو الذي يأمر وينهى ، ولذا قال بعض المفسرين في قوله تبارك وتعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذريات:56) .
قالوا : أي  إلا لآمرهم  وأنهاهم ، وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى .
ودخوله في الربوبية أن التشريع والحكم من أفعال الله جل وعلا ومن تدبيره لخلقه سبحانه فهو المتفرد بذلك ولذا جعل الله عز وجل من اتخذ مشروعاً غيره مشركاً .
قال سبحانه : ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ (الشورى: من الآية21) وقال سبحانه : ﴿ وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (الأنعام:121) وقال تعالى : ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة: من الآية31) .
وهذه الآية نزلت في اليهود والنصارى الذين أطاعوا رهبانهم وأحبارهم ، يعني علماءهم في تحليل ما حرم الله وفي تحريم ما أحل الله ، فجعلهم الله عز وجل متخذين أرباباً من دون الله ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة: من الآية31) .
ومن فعل مثل فعلهم كان حكمه حكمهم .
وأما دخوله في توحيد الأسماء والصفات فإن من أسماء الله سبحانه الملك ومن أسمائه الحكم ، فله سبحانه الملك وإليه الحكم ولذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم كنية رجل تكنى بأبي الحكم وسماه بأبي شريح معللا ً ذلك بأن الله هو الحكم وإليه الحكم [1] وقد قال الله تبارك وتعالى : ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ (الشورى: من الآية10) .
وقال سبحانه ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (القصص: من الآية88) .
وقال تعالى ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ (يوسف: من الآية40) وقال تعالى : ﴿ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (الكهف: من الآية26) .
وسيأتي مزيد بيان لهذه النقطة عند ما نتحدث عن بعض نواقض كلمة التوحيد إن شاء الله .
من لوازم كلمة التوحيد :
ثم إن كلمة التوحيد قد استلزمت موالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله تبارك وتعالى ، استلزمت محبة المؤمنين وبغض الكافرين ، وهذا أصل من أصول الإيمان ، بل قال بعض أهل العلم : إن الله سبحانه وتعالى ما ذكر بعد الأمر بالتوحيد والنهي عن ضده وهو الشرك في القرآن الكريم أكثر من النهي عن موالاة الكفار ، لذا فإن من والى الكافرين قد وقع في خطر عظيم يوشك أن يصل إلى حد التولّي ، أي تولي الكفار فينقض توحيده – نسأل الله السلامة – أما الموالاة التي لا تصل إلى حد التولّي فإنها معصية عظمى تنقص التوحيد لكنها لا تصل إلى حد نقضه ،  وقد حثنا الله على موالاة المؤمنين ، قال تعالى : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ (التوبة: من الآية71)
وحذرنا ربنا جل وعلا من موالاة الكافرين فقال سبحانه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ (الممتحنة: من الآية1) .
فبين  الله عز وجل سبب عداوتهم ، وهو أنهم  كفروا بما جاءنا من الحق ، ومن ذلك كفرهم بـ " لا إله إلا الله " فلما كفروا بها وجبت عداوتهم ووجب بغضهم ووجبت مفاصلتهم وحرم على المسلمين أن يوالوهم أو يلقوا إليهم بنوع من المودة والمحبة .   
وعلى ضوء ما سبق يتبين لنا أن كل الطاعات بل كل دين الإسلام هو من مقتضى كلمة التوحيد ، كلمة لا إله الله ، وتبين لنا أيضاً أن كل أمور الحياة يجب أن تكون وفق مقتضى لا إله إلا الله ، وتبين لنا أيضاً أن كل أمور الحياة يجب أن تكون وفق مقتضى لا إله إلا الله  فهي كلمة شملت جميع الحياة ، فهي منهاج متكامل ، فإنها تبين لنا الطريق الحق في العمل وتبين لنا الطريق الحق في الاقتصاد ، وفي السياسة ، والإعلام ، وفي التعليم والتربية ، فكل أمر من أمور الحياة فهو داخل تحت كلمة " لا إله إلا الله " فهو من مدلولها ومن معناها ، ولذا فإن من قال : إن هناك أموراً من أمور الحياة خارجة عن مقتضى لا إله إلا الله خارجة عن الإسلام لا يحكمها شرع الله تبارك وتعالى يكون قوله هذا كفراً بالله جل وعلا ، لأنه مكذوب لله ورسوله .
فمن قال : إنه لا في السياسة ولا سياسة في الدين كان منقضاً لكلمة لا إله إلا الله ، وما أحسن ما قال الشيخ / عبد الرحمن الدوسري – رحمه الله - : إن كلمة لا إله إلا الله كلها سياسة من لامها إلا هائها ، وقد سئل – رحمه الله -  أو سأل نفسه في كتيب له : أسئلة وأجوبة في أمور العقيدة  في المهمات فقال : كيف لنا بمن يقول الدين علاقة بين العبد وربه فقط لا شأن له في السياسة والحكم ؟
قال الشيخ – رحمه الله – هذه خطة انتهجها الثائرون على الكنيسة في أوروبا التي ليس لها ثروة تشريعية وافية بأساليب الحكم السياسية حسب التطوير الصحيح ، فانتهج هذه الخطة تلاميذ الإفرنج من أبنائنا وعملوا على تطبيقها في بلاد المسلمين وفرضها عليهم بتلقين قوي من أساتذتهم وتأييد استعماري  يحظى به العملاء والمغرضون الذين يريدون الحكم على أشلاء الإسلام وعل حساب أهله ، وقد أراحوا المستعمرين والمبشرين بتطبيق هذه الخطة التي أبعدوا فيها حكم الله وأزاحوا المسلمين عن تعاليم شريعتهم وآدابها، وصبغوهم بصبغة إفرنجية في تقاليدهم وعقائدهم وأخلاقهم وملابسهم حتى حولوهم بهذه الخطة وتحت شعاراتها المختلفة إلى نوع من الخلق لا يصلح شرقياً ولا غربياً ، ومع أن هذه في حق الإسلام والمسلمين فرية عظيمة وخطة أثيمة فهي في الحقيقة حجة على أولئك دامغة لرؤوسهم ، مرغمة لأنوفهم ، لأن علاقة العبد بربه يجب أن تكون عامة في كل شيء ، بحيث لا يمشي إلا على وفق شريعته ، ولا يحكم إلا بكتابه وسنة نبيه ، ولا يتحرك إلا لمرضاته واجتناب سخطه ، ولا يحب ولا يبغض إلا من أجله ،  لا لنفع أو من أجل عشيرة أو وطن ، أو قرابة أو مال ، ولا يوالي أو يعادي إلا في الله ، ومن أجل إعلاء كلمة الله لا لغرض آخر ، فلا يوالي أعداءه أو يعادي أحبابه لحاجة في نفسه ، أو لأجل شيء مما تقدم ، ولا يخطط لنظام الحكم أو ينفذه ، مستنداً على تلك القواعد الانتهازية ضارباً بكتاب الله  وتوحيده وشريعته، عرض الحائط ، فإن هو فعل ذلك لم يحسن علاقته بربه بل قطعها ، وكان في قوله أفاكاً أثيماً ، لأن الله تعالى لا يرضى من عبده  أن يحكم بغير شريعته أو يتخلى عن دعوة الإسلام، والدفاع عن جميع قضايا المسلمين ولا أن يوالي النصارى بحجة وطنية أو قومية عصبية جلبها من أوروبا وطرح بها ملة إبراهيم عليه السلام كما لا يرضى من عبده أن يعيش بإيمان أعزل أمام كفر وإلحاد مسلح ، بل يوجب عليه تحقيق الصدق معه والإخلاص له ، وأن يستعد لأعداء الله بجميع المستطاع من حول وقوة مهما تنوعت وتطورت ، يقمعهم كي لا يغلبوا ويتحكموا في مصيره ، وكذلك يوجب عليه أن يكون غيوراً على حرماته حافظاً لحدوده ناصراً لدينه دافعاً له إلى الأمام ، لا يقتصر في عبادته على نوع دون نوع ، ولا يقصر بالغزو في نشر الحق فيغزوه أعداء الله بالباطل ، فإن لم يفعل هكذا لم يحسن علاقته بربه وكان خواناً أثيماً إذ إن علاقته بربه عامة في جميع الشؤون الحربية والسلمية والاقتصادية والاجتماعية ، وسائر السلوك في المسجد والدائرة والمصنع على السواء .
ثم سأل نفسه قائلاً : ما الدليل على ذلك شرعاً وعقلاً ؟
( وطريقة السؤال والجواب تسهل على الطلبة المبتدئين .)
أجاب – رحمه الله – قائلاً : الأدلة الشرعية كثيرة متواترة منها : أن الله تعالى أوجب عبادته على العموم ، ومعاني العبادة ولوازمها كثيرة عظيمة لا يجوز لأحد الترخص منها إلا بدليل شرعي ، وجميع النواحي الدينية الدنيوية التي أوجبها الله على خلقه في القرآن أو ندب إليها وحض عليها أناطها بالأمر بالتقوى والتزام حدوده حتى في المواريث والديون ، قال تعالى : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ (النساء: من الآية13) وقال :﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً (البقرة: من الآية282) وقال تعالى في تزويج النساء وعشرتهن وطلاقهن : ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ (البقرة: من الآية223) .
وقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ (البقرة: من الآية235) .
وقال تعالى : ﴿ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ (البقرة: من الآية241) وقال : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا (البقرة: من الآية229) .
وفي الصدقات قال : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (الليل:5)
وفي الأمور السياسية قال:  ﴿ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (المائدة: من الآية87) ﴿ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات: من الآية9) ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ (النساء: من الآية135) ﴿ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ (المائدة: من الآية8) .
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ (النساء: من الآية71) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ (آل عمران: من الآية118) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (الممتحنة: من الآية1) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (الممتحنة: من الآية13)  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (المائدة: من الآية51)
 ثم قال : والآيات في الأمور السياسية كثيرة متنوعة ، وفي في الشؤون الحربية لنصرة العقيدة وإقامة سلطان الله وإعلاء كلمته في الأرض ، يقول الله تبارك وتعالى : ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  (البقرة:244)
 ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ (النساء: من الآية95) ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً  (النساء:76)
إلى أن قال الشيخ قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ ( الصف: من الآية14) ﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (محمد: من الآية7) إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى .
ثم قال – رحمه الله تعالى – فأي دين يأمر بالقوة ويجمع بين الحرب والعبادة في آن واحد غير دين المسلمين حتى قال لهم الله محذرا: ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً (النساء: من الآية102) إلى أن قال : ﴿ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً (النساء: من الآية102)
وفي الولاء والمحالفة نهي عباده عن أن يتخذوا من دونه ومن دون إخوانهم المؤمنين وليجة من القوم الآخرين ، وفي المعاملات قال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا (المائدة: من الآية1) ﴿ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (الشعراء:183) ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (المطففين:1)
﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ (البقرة: من الآية282) .
إلى أن قال : وغير ذلك من الشؤون الاجتماعية كثير ، وفي سورة النور والحجرات آيات واضحة لا نطيل بها المقام .
وفي الأحاديث النبوية بحور زاجرة من ذلك ، وملاك ما تقدم قوله تعالى : ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (غافر:14)
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آل عمران:102)
وكأنه يشير إلى أن كل ما مر داخل في الدين الذي يجب أن نخلصه لله تبارك وتعالى ، هذا وللعلامة الشيخ / محمد الشنقيطي – رحمه الله – محاضرة عن كمال الشريعة طبعت في كتيب بين فيها الأدلة على أن الشريعة شاملة كل الأمور من سياسة واقتصاد وتربية وتعليم وغيرذلك .

المعاصي تنقص التوحيد :  
هذا وليعلم أن كل مخالفة وكل معصية تقع من العبد عامداً فإنها تنقص التوحيد وتضعفه ، ما لم يتب منها ، وهذا يفسر لنا كثيراً من المخالفات ومن قلة الانتفاع بالمواعظ والعلم وذلك أن التوحيد قد ضعف في القلب ، فإذا ضعف التوحيد في القلب أصبح الإنسان جريئاً على مخالفة أمر الله تعالى وعلى فعل ما نهى الله عز وجل عنه .

نواقض كلمة التوحيد :
ثم ليعلم المسلم أن كملة التوحيد لها نواقض تبطل إسلام من  فعلها ، فلا ينتفع بنطقه وقوله لكلمة التوحيد ولو أكثر من ذلك ما دام ينقضها بأفعاله، وهذا كالشخص الذي يريد أن يصلي ويتوضأ، ثم بعد ذلك يحدث ، فإن وضوءه لا يفيد ، بل عليه أن يتوضأ مرة أخرى، ومن أهم نواقض " كلمة لا إله إلا الله " الشرك الأكبر بالله جل وعلا بكل أنواعه، فالشرك بالله سبحانه بدعاء الأموت والغائبين والاستنجاد بهم وطلب ما لا يقدر عليه إلا رب العباد سبحانه وتعالى شرك بالله سبحانه وتعالى ، وكذلك الذبح والنذر لهم والطواف بقبورهم وتقبيلها تبركاً وتقرباً إليهم كل ذلك من باب الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من ملة الإسلام – نسأل الله السلامة والعافية – وكذلك اتخاذ الوسائط بين الله وبين عباده ومعنى الوسائط هنا أن يدعو الإنسان شخصاً ويطلب أن يشفع له عند الله من الأموات أو من الغائبين ، فإن ذلك شرك بالله عز وجل ، وهذا هو شرك أهل الجاهلية ، شرك أبي جهل ، وأبي لهب الذين قالوا : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر: من الآية3) ما عبدوا هم لأنهم خلقوا ولا لأنهم رزقوا ولكن عبدوهم من أجل أنهم يزعمون أنهم يشفعون لهم ويقربونهم عند الله ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (الزمر: من الآية3) ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ (يونس: من الآية18) .
ولذلك فإن من دعا ميتاً أو غائباً أو طلب منه أن يشفع عند الله ففعله من الشرك الأكبر ، لأن معنى ذلك أنه يعلم بدعاء الشخص ويسمعه ، ويستجيب له ، ويقدر على نفعه أو دفع ضره فأعطاه ما هو خاص بالرب تبارك وتعالى . 
ومن نواقضها أيضاً : النفاق الاعتقادي – أعاذنا الله منه -  وقد بين بعض أهل العلم بعض أنواع النفاق ، فمن أنواع النفاق الاعتقادي كما بين ذلك شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – بغض النبي صلى الله عليه وسلم أو بغض بعض ما جاء به ، ومن النفاق الاعتقادي أيضاً السرور بانخفاض الإسلام والفرح بذلك ، والحزن إذا انتصر الإسلام وارتفع ، وهذا يبين لنا كثرة النفاق الاعتقادي في عصرنا ، فنرى حينما يهزم أو يتخلف الإسلام في مكان ما كثيراً من المجلات والصحف التي تصدر في أوربا فرحة ، وإذا انتصر الإسلام وارتفع يظهر منها ويبين أنها قد حزنت وانكسرت لما حصل فهذا هو النفاق الاعتقادي – أعاذنا الله منه – قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (التوبة:50)
فهذه هي طريقة المنافقين في قديم الدهر وحديثه .
ومن نواقض كلمة التوحيد : السخرية والاستهزاء بالله ورسوله وآياته ولو كان هذا الساخر والمستهزئ  هازلاً مازحاً ، فإن أمور الاعتقاد لا مزاح فيها وإنما هي جد ولذلك قال الله تعالى : ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (التوبة:65، 66) سواء كان هذا الاستهزاء باللسان أو على صفحات الجرائد والمجلات أو في غيرها ، فمن استهزأ حتى ولو بالإشارة  بالله ورسوله وآياته كان مرتداً – نسأل الله العافية والسلامة –

ومن نواقض كلمة لا إله إلا لله :
رفض حكم الله ورسوله والتحاكم إلى غيرهما من القوانين الوضعية الجاهلية التي ابتلي بها المسلمون في هذا العصر والتي فرضها الاستعمار الكافر لما استولى على معظم بلاد المسلمين ولم يغادرها إلا بعد أن فرض عليها الحكم بقوانين أوروبية بعد تنحية الشريعة الإسلامية وما غادر بلاد المسلمين إلا بعد أن وضع فيها أذناباً له مخلصين لمبادئه ، وكما قال أحد المفكرين الإسلاميين : ذهب الإنكليز الحمر وبقي الإنكليز السمر يعني أن الإنكليز بجنودهم انسحبوا من بلاد المسلمين التي كانوا يستعمرونها ، وكذلك الفرنسيون وغيرهم ولكن بقي الذين يتكلمون بلغتنا ولهم نفس جلدتنا ولكنهم أشد على الإسلام والمسلمين من أولئك الكفار النصارى ، فرفضوا حكم الله ورسوله ووضعوا دساتير من القوانين الوضعية ووضعوا لها مراجع ومواد يحكم بها  وزحزحت الشريعة الإسلامية عن الحكم في بلاد المسلمين إلا من رحم ربك وأحل ما حرم الله ورسوله وحرم ما أباح الله ورسوله حتى بلغ الأمر أن بعضهم قد حرم ومنع الصيام في نهار رمضان بحجة العمل وفي بعض البلدان التي ينطق أهلها بلغة العرب يمنع أن يتزوج الرجل امرأتين ، وإذا وجد مع الرجل امرأتان أصبحت جريمة عظمى يحاكم عليها بالقانون ، أما إذا وجد معه عشرون بغيا من البغايا لم يتعرض له  أحد ويحميه القانون ، أليس هذا أعظم مما فعل علماء اليهود والنصارى حين أحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله ؟ إن هؤلاء قد فرضوه بالقوة ألزموا به المسلمين وجعلوهم يتحاكمون إليه ، بل وحتى لو يأتهم أحد لتعرضوا له ، إن هذا من أعظم نواقض كلمة التوحيد فهو كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام كما نص على ذلك العلماء رحمهم الله تعالى كالإمام الحافظ ابن كثير لما تكلم عن التتار في تفسيره وفي تاريخه ، " البداية والنهاية " .
كذلك نص على هذا الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ – رحمه الله – والإمام العلامة شيخ الإسلام في زمانه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في رسالته ، تحكيم القوانين والعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أضواء البيان ، والعلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى وغيرهم كثير .
والذين يفعلون ذلك هو من رؤوس الطوغيت كما بين ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – حينما تكلم عن رؤوس الطواغيت ، قال الله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ،  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً  (النساء:60، 61)
وإذا كان من أراد أن يتحاكم إلى الطاغوت عن علم ورضا كافراً فما بالك بالطاغوت نفسه الذي يفرض الأحكام المخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ويلزم ويفرضها في محاكم المسلمين ليقضي بينهم بها ، إن هذا أشد كفراً وأخبث من ذلك بكثير.

فهم خاطئ لكلمة التوحيد :
إن بعض الناس قد يقول : لا إله إلا الله ثم يفعل ما يناقضها زاعماً أنه بمجرد قوله أصبح في مأمن من الشرك بالله تبارك وتعالى ومن الكفر ، وهناك آخرون يظنون أنهم إذا قالوا كلمة التوحيد واعتقدوها وعملوا بالمعاصي فإن ذلك لا يضرهم ، يعني أنهم إذا لم ينقضوا كلمة التوحيد ولكن عملوا بالمعاصي التي تخرج من الإسلام فإن ذلك لا يضرهم ، متمسكين ببعض الأحاديث التي تدل على  أن من قال :  لا إله إلا الله دخل الجنة  كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : (من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة )  [2] ومنها أيضاً : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه : ( حق العباد على أن لا يعذب من مات لا يشرك به شيئاً ) [3]
وفي حديث عتبان  بن مالك رضي الله عنه : ( فإن الله حرم على النار من قال : " لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) [4] وهما حديثنا صحيحان في الصحيحين وغيرهما .  وقد أجاب أهل العلم على هذا الأمر – وهو حكم ذلك الذي ينطقها ثم يفعل ما يناقضها – بأمور منها : أن من المقطوع به في دين المسلمين أنه ليس كل قائل يقول :  لا إله إلا الله يعتبر من أهل النجاة والسلامة من الشرك فإن المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون : لا إله إلا الله وهم في باطن الأمر مشركون بالله جل وعلا كعبد الله بن أبي بن سلول وأمثاله ، قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا (النساء:145)
﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (المنافقون:1) .

شروط لا إله إلا الله :
إذا تبين أنه قد يقول كلمة التوحيد من هو في نفس الأمر مشرك يبطن الكفر ويظهر الإسلام فإن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم قد بين لنا أن لكلمة التوحيد شروطاً لا بد من توافرها في الناطق بها ليكون من أهل النجاة عند الله عز وجل وذكر أهل العلم أنها سبعة شروط :
أولها :  العلم بمعناها نفيا وإثباتاً ، أي : العلم المنافي للجهل بالمعنى الذي دلت عليه ، ولذلك قال الله تعالى : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (محمد: من الآية19) وقال سبحانه : ﴿  إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ (الزخرف: من الآية86)  إذاً لا بد من علم ، أما أن يقول الشخص وهو لا يدري فإنه لا يكون بذلك ناجياً ، ولا يكون بذلك مسلماً ولو أن شخصاً أعجمياً كافراً نصرانياً أو يهودياً أو مجوسياً أو غير ذلك سمع رجلاً يقول : لا إله إلا الله بالعربية فقالها مثله لم يكن بذلك مسلماً حتى يعلم معناها ويعتقد ويعمل بمقتضاها وقول الله تعالى : : ﴿ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ   فسرها ابن عباس – رضي الله عنهما – بقوله : إلا من شهد بالحق يعني بـ " لا إله إلا الله " وهم يعلمون ، أي : يعلمون ما دلت عليه ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله  دخل الجنة[5]
والجهل بمعناها هو الذي أوقع كثيراً من الناس في الشرك حيث جهلوا معنى لا إله إلا الله ، فجهلوا معنى الإله وأن الإله هو المعبود وجهلوا مدلول النفي ومدلول الإثبات بعكس المشركين السابقين ، أبي جهل وأبي لهب وغيرهما ، حيث كانوا يعرفون معناها فرفضوا لما قالها لهم النبي صلى الله عليه وسلم قولوا له  " ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ (صّ:5)
وقال بعضهم لبعض :  ﴿ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ (صّ: من الآية6) إذ أولئك القوم عرفوا معنى كلمة لا إله إلا الله فرفضوا وأبوها ، أما هؤلاء فإنهم جهلوا معناها فعبدوا القبور وعكفوا عليها ونذروا لأهلها وذبحوا لهم ودعوهم من دون الله تبارك الله وتعالى فكانوا خارجين بذلك عن معنى كلمة التوحيد.
 الشرط الثاني : أن يقولها الشخص بيقين فيستيقن قلبه بها ويعتقد صحة ما يقوله : وضد اليقين الشك والريب والتوقف والظن قال الله تعالى : ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ (الحجرات: من الآية15) .
وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح : ( أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ) [6]
وقال تعالى عن المنافقين : ﴿ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ ﴾ ( التوبة: من الآية45 )
فمن قالها وهو شاك في صحتها كان بذلك كافراً – نسأل الله العافية والسلامة – لأن الإيمان جزم .
الشرط الثالث :
أن يقولها قابلاً لها ، والقبول ينافي الرد فلا يرد شيئاً من معانيها ، فقد يعلم معنى الشهادتين ، وقد يوقن بمدلولهما لكنه يردهما كبراً وحسداً ، وذلك كأحبار اليهود الذين قال الله عز وجل فيهم : ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ (البقرة: من الآية109) .
وكذلك زعماء المشركين كانوا يعرفون معنى لا إله إلا الله ويعرفون صدق النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك استكبروا عن قبول الحق والهدى ، قال الله تعالى عنهم : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (الصافات:35)
وقال تعالى : ﴿ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ (الأنعام: من الآية33) .
ومثل هؤلاء من يعلم بمعنى لا إله إلا الله في هذا الزمن ويعتقد صحتها ولكنه لا يقبلها بل يردها ويرفضها .
الشرط الرابع :  أن ينقاد لها ويستسلم ويذعن ، وقد فرق بعض أهل العلم بين القبول والانقياد ، بأن القبول يكون بالأقوال والانقياد يكون بالأفعال ، قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (النساء: من الآية125) وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (لقمان: من الآية22) .
فقد يوجد من يقول : لا إله إلا الله ولكنه يأبى الانقياد لما دلت عليه بأن يكون الحكم لله وحده، وأن يكون التشريع حقاً لله وحده فيجعل التشريع حقاً للأمة ، ويجعل الأمة مصدر السلطات ، فيجعل التشريع حقاً للبرلمان أو لغيره .
الشرط الخامس : أن يقولها الشخص بصدق ، والصدق مضاد للكذب ، فأما من قالها كاذباً فإنها لا تنفعه ، والذي يقولها كاذباً هو المنافق ، فعلى المسلم أن يقولها بصدق يريد به وجه الله تعالى ، قال : ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (العنكبوت: من الآية3) وقال سبحانه وتعالى : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (الزمر:33)
قال ابن عباس رضي الله عنهما  " من جاء بلا إله إلا الله "
أما المنافقون فإنهم كانوا يقولونها ولكنهم في باطن الأمر يكذبون بها ، قال تعالى : ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (المنافقون:1) .
لقد ذكر الحافظ ابن كثير في تفسيره سورة " المنافقون " أن عبد الله بن أبي ابن سلول – وهو رأس النفاق – كان يقوم كل جمعة قبل خطبة النبي صلى الله عليه وسلم فيخطب في الناس ، يتكلم فيقول : ( أيها الناس إن الله قد أكرمكم ببعثة هذا النبي فاسمعوا له وأطيعوا ) [7] .
هذا هو رأس النفاق ، فلما جاء يوم أحد وانخذل بثلث الجيش ، قال بعدها وأراد أن يقول هذا الكلام فجبذه المسلمون وردوه وقالوا اجلس يا خبيث ، يعني ظهر ما يبطنه هذا الرجل المنافق ، ولذلك فإن كثيرين يقولون لا إله إلا الله بألسنتهم ولكن تأبى قولوبهم أن تنقاد ، وهم يكذبون بها حقيقة وباطناً ، إما هم علمانيون ، أو منافقون ، أو غير ذلك من ملل الكفر وتيارات الإلحاد ، وإنما يولونها خوفاً من المسلمين ، وخوفاً من الفضيحة أو للترويج لأفكارهم الوضعية من زبالة أذهان الغربيين عند كثير من عوام المسلمين وجهالهم .
الشرط السادس : أن يقولها بإخلاص ، وضد الإخلاص الشرك قال تعالى : ﴿ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ  (غافر:14) ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ   (الزمر: من الآية2 ، 3)  وقد سأل أبو هريرة – رضي الله عنه – رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً : " من أسعد الناس بشفاعتك ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : ( أسعد الناس بشفاعتي من قال : " لا إله إلا الله خالصاً من قلبه ) [8] .
وفي الحديث القدسي قال الله تعالى : ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه ) [9] .
والإخلاص أن تكون العبادة لله وحده دون أن يصرف منها شيئاً لغيره تعالى ، فهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك كبيره وصغيره ، ظاهره وخفيه ، وهذا يخرج المشركين الذين يقولون : لا إله إلا الله ولكنهم يطوفون بالقبور ويعبدونها ويقدسون أهلها ويرفعون ويعظمون مرتبة الألوهية .
الشرط السابع : المحبة المنافية لضدها من الكراهية والبغضاء فيقولها المسلم محباً لها محباً لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أما إن قالها وهو كاره لها مبغض لما دلت عليه ، مبغض لله أو لرسوله كان ذلك ناقضاً لكمة التوحيد قال الله تعالى : ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (المائدة: من الآية54) وعن أنس – رضي الله عنه – قال : قال صلى الله عليه وسلم :  ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) الحديث [10]
وقد جمع بعض أهل العلم هذه الشروط في بيت شعر فقال :

علم يقين وإخلاص وصدقك مع    محبة وانقياد والقبول لها

وزاد بعض أهل العلم شروطاً – وهو الكفر – بما يعبد من دون الله مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم : ( من قال : لا إله إلا الله  وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه ) [11]  .
وعلى كل سواء أضفنا هذا الشرط أو حذفناه فإن الشروط السبعة تدل عليه بلا شك فمن قالها بعلم فمعنى أنه يعلم أنه لا يعبد أحد غير الله تبارك وتعالى : ويعلم أنه لا بد من الكفر بالطاغوت .، قال بعضهم :
وزيد ثامنها الكفران منك بما     سوى الإله من الأنداد قال ألها

وإذا تبين ذلك وعرفت هذه الشروط وما ذكر عليها من الأدلة تبين جواب ذلك السؤال وتبين أن من قال : لا إله إلا الله ثم عبد غير الله بدعاء أو ذبح أو نذر أن لم ينقد لحكم الله ورسوله وطبق القوانين الوضعية المستوردة من النصارى واليهود فهو مشرك بالله تبارك وتعالى الشرك الأكبر ، حيث قد نقض ما قال ، فلا يكون قوله نافعاً له ، والعلم عند الله تبارك وتعالى .

الرد على المرجئة القائلين لا يضر من الإيمان ذنب :
أما من زعم أنه بمجرد أن يقولها يكون محققاً بمعنى أن يقولها ولا ينقضها ثم بعد ذلك يفعل المعاصي والموبقات وينجو من العذاب ولو ترك الواجبات وفعل المعاصي محتجاً بالأحاديث السابقة فقد أجاب العلماء على ذلك بأجوبة متعددة منها :  أن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة والنجاة من النار ، لكن لها شروط – أي النجاة – وهي الإتيان بالفرائض ولها موانع وهي الإتيان بالكبائر ، ولذلك قال الحسن البصري للفرزدق الشاعر لما لقيه في مقبرة فقال له يا أبا فراس ما أعددت لهذا اليوم ؟ قال الفرزدق : لا إله إلا الله منذ ثمانين سنة ، فقال الحسن : إن لـ  " لا إله إلا الله " شروطاً فإياك وقذف المحصنات .
وروي عنه أنه قال : هذا العمود فأين الطنب ؟ وقيل له : إن ناساً يقولون : من قال لا  إله إلا الله دخل الجنة ، فقال – رحمه الله – من قال لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل  الجنة وقيل  لوهب بن منبه : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ قالل :  بلى ، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك [12] .
 وقال آخرون : كان هذا – أي الأحاديث السابقة في أن من  قال : لا إله إلا الله دخل الجنة – كان قبل فرض الفرائض وقبل تشريع الحدود فلما فرضت الفرائض ونزلت الحدود أصبح ذلك إما منسوخاً أو أنه أنضم إلى لا إله إلا الله شروط وزيد عليها ، فأصبح ذلك فرضا على كل مسلم لا يكون ناجياً إلا به  ، ومن نسب له هذا القول الإمام الزهري محمد بن شهاب الزهري والإمام سفيان الثوري – رحمها الله تبارك وتعالى – وقال آخرون من أهل العلم : إن هذه الأحاديث التي فيها أن من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة نصوص مطلقة وأنها جاءت مقيدة  بأن يقولها المسلم بصدق وإخلاص ، وإذا قالها بصدق وإخلاص فإن صدقه وإخلاصه يمنع الإقدام على المعصية ، فقولها بصدق تام وإخلاص تام يطهر القلب من كل  الأدران والنجاسات التي هي الذنوب ويطهر القلب من الجرأة على مخالفة أمر الله ورسوله ، فيكون العبد بذلك مطيعاً لله تبارك وتعالى .
أما من قالها وركب المعاصي فصدقه ناقص وإخلاصه ناقص وهو متبع لهواه ، وهذا هو أصح الأقوال ، والعلم عند الله تبارك وتعالى .
 ثم هاهنا أمر لا بد من الانتباه له وهو أن النصوص الشرعية أي : قول الله وقول رسوله  لا يمكن أن تكون متناقضة  أبداً ولا بد أن يجمع المسلم بينها ، ولا بد أيضاً من الإيمان بها جميعاً ، ولا بد أن يحمل متشابهها على محكمها ، ومجملها على مفصلها ، ومنشأ خطأ الخوارج والمعتزلة أنهم أخذوا نصوص الوعيد دون نصوص الوعد .
ومنشأ خطأ المرجئة أنهم بالعكس وهدى الله عز وجل أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، والله عز وجل يهدي ما يشاء إلى صراط مستقيم .
فقد تواترت النصوص على أن بعض أهل التوحيد يدخلون النار ثم بعد ذلك يخرجون منها .
ويجب الإيمان بهذه النصوص والاعتقاد بمدلولها وأن أهل الكبائر من المسلمين تحت مشيئة الله عز وجل إن شاء عفا عنهم وغفر لهم بواسع فضله ورحمته ، وإن شاء عذبهم بقدر ذنوبهم في النار ، ولكن لا بد أن يدخلوا الجنة في يوم من الأيام .
 
المخالفون لكمة التوحيد : 
وإذا تبين لنا معنى كلمة التوحيد كلمة لا إله إلا الله ، فإن لـ " لا إله إلا الله " أعداء ولها مخالفون ، يعني لمدلولها مخالفون وله من الأصل أعداء ، فأما المخالفون فهم كثر ومنهم المرجئة الذين يقولون إن من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة ولو فعل ما فعل ، فسهلوا فعل الكبائر على المسلمين وزعموا أن الإيمان في القلب وأنه لا يضر مع الإيمان ذنب ، وكان ذلك أمراً خطيراً على الأمة سبب فيها انحرافاً عظيماً وسبب بعد ذلك ضعفاً في الإيمان ، وهؤلاء المرجئة منتشرون في كثير من بلاد المسلمين ، يهونون المعصية ويسهلون أمرها ، نجد أحدهم يقول – إذا نُصِح أو حُذِّر من مخالفة – الإيمان في القلب والمهم الضمير .
نعم القلب هم الأهم بلا شك ، ( إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) [13] .
كما قال صلى الله عليه وسلم ، ولكن إذا صح القلب صلحت الجوارح وصلح السلوك وصلح الخلق وصلحت العبادة ، أما أن يوجد الإيمان في القلب ولا توجد عبادة ولا سلوك فهذه أمنية وليست بصحيحة ، إنما هي حيلة شيطانية وإن تأثير أصحاب الفكر الإرجائي على المسلمين تأثير عظيم حتى سهلوا على بعض الناس أن يرتكب بعض المكفرات زاعمين أن ذلك لا يتعارض مع الإيمان ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
 ومن المخالفين لها أيضاً الذي كان لهم أثر بالغ السوء في الأمة أهل الكلام من الأشعرية و الماتردية وغيرهم  الذين زعموا أن معنى لا إله إلا الله أنه لا خالق إلا الله ولا مبدع ولا قادر على الاختراع إلا الله ففسروها بالربوبية فعندهم أن من قال : لا إله إلا الله معتقداً أنه لا خالق إلا الله ولا مبدع إلا الله فقد كمل توحيده ، فإذا فعل ما يناقض الألوهية فلا يضره ذلك عند كثر منهم ، وهذا سبب الخطأ عند كثير من الناس حتى أن بعضهم ينسب إلى العلم فيعبدون القبور أو يقرون من عبدها أو يسكتون عليها زاعمين أن هؤلاء مؤمنين وموحدين ، لأنهم يقولون : لا إله إلا الله ، وإذا سألتهم من الخالق ؟ قالوا : الله  فهم إذا مؤمنون ، وقد سبق معنا أن بينا أن هذا لم يكن يخالف فيه لا أبو جهل  ولا أبو لهب  ولا غيرهم ، وأن الرسل إنما أرسلوا ليعبد الله وحده لا شريك له ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ (النحل: من الآية36).
 ومن المخالفين أيضاً لكلمة التوحيد ، كلمة لا إله إلا : المتصوفة الغلاة الذين كانوا سبباً من أسباب الضلال قطاع كبير من المنتسبين للقبلة فهؤلاء الغلاة هم الذين زينوا للناس التوسل بالصالحين والتشفع بهم والعكوف عند قبورهم والتقرب لهم والتمسح بهم وبالقبور ودعائهم وزعموا أن ذلك إنما هو تعظيم للصالحين ، وتعظيم للأنبياء وأنهم يشفعون عند الله وهذا هو نفس شرك أهل الجاهلية الأولى التي عاصرت النبي صلى الله عليه وسلم .
وهؤلاء في واقع الأمر مناقضون لكلمة التوحيد وليسوا مخالفين فقط ومثلهم الروافض الذين أشد الناس تعلقاً بالقبور وبالمقبورين وخاصة من أئمتهم الذين يقدسونهم ، ولهذا تجد الرافضة يعتقدون أن زيارة قبور أئمتهم أعظم من زيارة الكعبة والبيت وتجد أنهم يؤلفون الكتب في طريقة الزيارة لهم حتى أن بعضهم ألف كتاباً في شعائر الحج إلى المشاهد فسماها حجاً ، محادة لله وللرسول .
ومن المناقضين لكلمة التوحيد العلمانيون والمنافقون الذين يتربصون بالإسلام وهم يريدون هدمه من الداخل يؤلفون المؤلفات ويكتبون المقالات التي تدعو إلى تحكيم القوانين وإلى الرجوع إليها وإلى تحسين اللادينية والعلمانية وإلى الطعن في دين الله تبارك وتعالى أو في رسوله صلى الله عليه وسلم أو في آياته سبحانه والتشنيع على أهل الإيمان ونبزهم بشتى الأوصاف وهم لا يقصدون الذوات إنما يقصدون المبادئ التي يعتنقها أهل الإيمان ، وإلا فإن الذوات تأتي وتذهب ، والذوات كثيرة ومن المعلوم أن شخصاً لا يحارب شخصاً بمجرد ذاته ولكن يحاربه لأمور أخرى خارجة عن تلك الذات إما المعتقدات أو غيرها .

واقع الأمة مع كلمة التوحيد : 
إن واقع الأمة مع " لا إله إلا الله " واقع مؤسف فقليل من الناس هم الذين يعلمون معناها ويعملون بمقتضاها ، والقطاع الأكبر من أمة الإسلام مفرطون في معنى كلمة التوحيد وفي معرفتها وجاهلون بمقتضاها وذلك إما يفعلون ما يناقضها أو يفعلون ما ينقصها ويضعفها في القلب ، ولذا فإن واجب  المسلمين في كل مكان أن يعملوا على نشر كلمة التوحيد وعلى بيانها وعلى تصحيح المفهوم الخاطئ  لها وبيان أنها كلمة عامة شاملة في الاعتقادات وفي المعاملات وفي العبادات وفي الأخلاق وفي الهدى وفي السلوك وفي السياسات وفي الحكم والاقتصاد والتعليم والتربية والاجتماع والإعلام وفي كل شيء فإنها عامة شاملة لكل قطاع ، فمن كان مسلماً فعليه أن يخضع لله وحده : ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (البقرة: من الآية85) .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – كلام عظيم متين أختم به هذا الكلام المبارك في بيان معنى كلمة لا إله إلا الله وشموليتها ، وذلك لأن الحاجة ماسة لتصحيح مفاهيم المسلمين وأولها مفهوم التوحيد ، مفهوم كلمة " لا إله إلا الله " وذلك لإعادة إحياء الهوية الإسلامية النقية الصافية التي تتأثر بالكافرين ، لا من النصارى ولا من اليهود ولا من غيرهم .
 يقول شيخ الإسلام – في الرسالة التدمرية – " فرأس الإسلام مطلقاً شهادة أن لا إله إلا الله ، بها بعثت الله جميع الرسل " [14] وقال – رحمه الله – في مجموع الفتاوى : جميع الرسل دعوا إلى عبادة الله وحده لا شريك له ، وهذا هو دين الله أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله من الأولين والآخرين غيره .
﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ (آل عمران: من الآية19) .
﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران:85)
ويقول أيضاً – في اقتضاء الصراط المستقيم – يقول الله تعالى : ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (الكهف: من الآية110) .
وقد كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – يقول في دعائه : (اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً ) إلى أن قال رحمه الله : هذان الأصلان هما تحقيق الشهادتين واللتين هما رأس الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله ، فإن شهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له ، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره  بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ولا إكبار ، ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله ، فإن كان بعض الدين لله وبعضه لغيره كان في ذلك من لشرك بحسبه . إلى أن يقول : والشهادة بأن محمداً رسول الله تتضمن تصديقه في كل ما أخبر وطاعته  في كل ما أمر، فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه ، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته الرسول لربه من الأسماء والصفات وينفون عنه ما نفاه من مماثلة المخلوقات ..إلى أن يقول : وعليهم أن يفعلوا ما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم عنه ويحللوا ما أحله ويحرموا ما حرمه ، فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله .
ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف ، وغيرهما لكونهم حرموا ما لم يحرمه الله ولكونهم شرعوا ديناً لم يأذن به الله ... إلى أن قال فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إلى الله بغير إذنه يعني بشرع مبتدع فقد ابتدع ، والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك إلى أن قال : ولم يوجد مبتدع إلا وفيه نوع من الشرك كما قال تعالى : ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (التوبة:31)
قال : وكان من شركهم أنهم أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم قال تعالى : ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (التوبة:29) .
فقرن بعدم إيمانهم بالله واليوم الآخر أنهم لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله ولا يدينون دين الحق .
والمؤمنون صدقوا الرسول فما أخبر به عن الله وعن اليوم الآخر فآمنوا بالله واليوم الآخر وأطاعوه فيما أمر ونهى وحلل وحرم فحرموا ما حرم الله ورسوله ودانوا دين الحق ، فإن الله بعث الرسول يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث فأمرهم بكل معروف ونهاهم عن كل منكر وأحل لهم كل طيب وحرم عليهم كل خبيث .
وقال : أيضاً : ولفظ الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص من قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ (الزمر: من الآية29) .
فلا بد في الإسلام من الاستسلام لله وحده وترك الاستسلام لما سواه ، وهذا حقيقة قولنا : لا إله إلا الله فمن استسلم لله ولغير الله فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به ومن لم يستسلم لله فهو مستكبر عن عبادته ، وقد قال الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ (غافر: من الآية60) أ. هـ
كلامه رحمه الله وأحب أن أقول : إن الله تعالى قال في كتابه : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ (البقرة: من الآية208) .
ومعنى الاستسلام هنا يعني الإسلام ، يعني ادخلوا في الإسلام كله جملة وتفصيلاً لا تفرقوا فيه بين شيء وشيء وأختم هذا الحديث فأقول : إن الشيخ العلامة محمد قطب قد ألف كتاباً عن كلمة " لا إله إلا الله " بين  فيه مفهومها وهو آخر كتبه ، يجدر بالمسلم أن يرجع إليه وأن يقرأه ، فإنه كتاب قيم .
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا العلم الصحيح بكلمة " لا إله إلا الله " وأن يوفقنا للعمل بمقتضاها وأن يجعلنا من الداعين إليها المجاهدين من أجلها ، ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال الأمة وأن يردها رداً جميلاً وأن يهيأ لها من أمرها رشداً وأن ييسر تصحيح جميع المفاهيم عند الأمة وخاصة مفهوم كلمة التوحيد كلمة " لا إله إلا الله " وأسأله سبحانه وهو القوي العزيز والواحد القهار أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته وأن يعز أولياءه المؤمنين ويمكن لهم في الأرض ، وأن يذل أعداءه أعداء الدين وأن يخذلهم ويرينا فيهم عجائب قدرته . اللهم اشدد عليهم وطأتك وارفع عنهم عافيتك ، اللهم حل بينهم وبين ما يشتهون وأرهم في المؤمنين ما يحذرون إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير ...


وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعل آله وصحبه وسلم أجمعين .
والحمد لله رب العالمين .
  




[1]  رواه أبو داود ، والنسائي ، والبيهقي ، والحاكم 
[2]  رواه مسلم .
[3]  رواه البخاري ومسلم  .
[4]  رواه البخاري ومسلم .
[5]  رواه مسلم ، وأحمد .
[6] رواه مسلم .
[7] انظر تفسير ابن كثير 4/557.
[8] رواه البخاري .
[9] رواه مسلم .
[10] رواه البخاري ومسلم .
[11] رواه مسلم .
[12]  أخرجه البخاري .
[13] رواه البخاري .
[14] التذمرية 174.


 تم النشر يوم  الجمعة، 31 يناير 2014 ' الساعة  10:49 م


 
Toggle Footer