الأربعاء، 27 مايو 2015

الشيخ أبو الوفاء محمد درويش

أما إحداهما فصادقة، حية خالصة، مشرقة، طاهرة نقية، تشق طريقها إلى السموات، ماضية أمضى من السهم المريش، سريعة أسرع من البرق الخاطف، تشرق لها أقطار السماء، وتفتح لها الأبواب، ويستقبلها الرضا، وينتظرها القبول، وتصحبها الاستجابة، وتكتب في عليين، ما أدراك ما عليون، كتاب مرقوم يشهده المقربون ذلك بأنها دعوة الحق، يبعثها الإيمان؛ وتحفزها التقوى، ويرفعها إلى الله اليقين بقدرته، والثقة باستجابته؛ فهي عبادة خالصة، بل هي مخ العبادة وصفوتها وصميمها.

وكيف لا تصعد إلى حظيرة القدس والله تعالى يقول ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ [فاطر: 10] وهل ثمة أطيب من قول العبد: ربي وخالقي ومولاي!.

ما أبردها على الكبد، وألذ وقعها في السمع؛ وأنداها على القلب، وأجل أثرها في النفس، وأسرعها إلى أبواب الإجابة والقبول، أن تذكر خالقك ورازقك، ومالك أمرك، ثم تقبل عليه بقلبك وعقلك ونفسك، وجوارحك ومشاعرك، ثم تدعوه مخلصاً له الدين: ربي وخالقي ومولاي، خلقتني من العدم: وأفضت علي نعمة الوجود، ومنحتني السمع البصر والفؤاد من قبل أن أسألك، ووفقتني للإيمان، وهديتني للحق بإذنك، وأرشدتني إلى صراطك المستقيم.

بمن ألوذ وأنت خير من يلوذ به اللائذون؟ وإلى من ألجأ وأنت خير من يلجأ إلى حماه اللاجئون؟ سدّت السبل إلا إليك، وانقطع الرجاء إلا منك، وخاب الأمل إلا فيك، يا من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء.

إن كنت لم تذق لذة القرب إلى ربك والابتهال إليه؛ والتوجه إلى ساحة كرمه؛ والاستمداد من غيث فضله، فإني أنصح لك أنت تجرب ذلك مرة واحدة وأنا كفيل لك إن ضمنت لي الإخلاص من قلبك والصلاح من عملك - أن يقبل الله عليك، ويتولاك بالرضا والقبول، ويذيقك حلاوة التقوى، ويشعرك برد اليقين، ويستجيب دعاءك؛ ويزيدك من فضله، فقد قال تعالى وقوله الحق ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ [الشورى: 26].

وأما الأخرى فكاذبة ميتة، كدرة مظلمة، دنسة قذرة، لا تكاد تخرج من حنجرة صاحبها حتى تمر بارحة؛ وتمضي إلى شمال داعيها حيث تسجل في صحيفته السوداء، حتى إذا أثبت وزرها، ودون إثمها، أحاطت خطيئتها بصاحبها وصبت عليه اللعنة من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله؛ لأنه كاذب ولعنة الله على الكاذبين، ولأنه ظالم ولعنة الله على الظالمين.

تلك دعوة إلى غير سميع، ونعيق بغير مجيب.

تلك دعوة الجاهل غير ربه حين تكون له حاجة من الحاجات ورغبة من الرغبات، فييمم قبرا من تلك القبور التي رفعت عليها القباب، وأُقيمت فوقها الأوثان، عليها الثياب والعمائم، ومن حولها المجامر والقماقم، فيطوف من حوله ويتمسح به ويقف بين يديه وقفة الخاضع الخاشع الذليل، وربما قبّل الأعتاب ولثم الأخشاب، وربما انهملت عبراته وتصاعدت زفراته، ثم يناجيه بحاجته ويفضي إليه بسريرته، وهو معتقد اعتقاداً جازما أنه يستجيب له ويقضي حاجته ويشفعه بطلبته. وهيهات هيهات.

تلك دعوة الجاهل حين تنزل بساحته كارثة أو يحزبه أمر، أو يشتد عليه كرب، فيدعو شيخه وهو معتقد أن له قوة غيبية بها يسمع الداعي ويستجيب له ويقضي حاجته، ويتصرف في ملكوت ربه، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا، قل هل عندكم من سلطان بهذا؟ أتقولون على الله ما لا تعلمون.

قال تعالى ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ [الرعد: 14].

وقال تعالى ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 5، 6].

وهذه الآية الكريمة تدفع في صدور أولئك الذين يزعمون أن هذه الآيات وأشباهها إنما أنزلت في حق الذين يدعون الأصنام فحسب، دون الموتى ودون الأحياء؛ فبين تعالى أن هؤلاء المدعوين يكونون أعداء للداعين يوم القيامة ويكفرون بدعائهم وينكرونه؛ وهذه صفات لا يخلعها على الوثن إلا من ليس له مسكة من عقل.

وما أبلغ هذا التشبيه الرائع حيث شبه الله الذين يدعون غيره بإنسان بلغ منه الظمأ، ونال منه العطش: وقف على شاطئ نهر وبسط يديه إلى الماء وأخذ يدعو ويلح في الدعاء لكي يبلغ الماء فاه، أو يروي صداه، وما هو ببالغه؛ وما هذا الداعي إلا في ضلال مبين.

أما الموتى فقد انقطعت أعمالهم، وأفضوا إلى ما قدموا: إن خيرًا فخيرًا وإن شراً فشراً؛ وتقطع ما بينهم وبين الدنيا من أسباب، وشغلهم ما هم فيه من رياض الجنة أو حفر النار، فأمسوا لا يمتون إلى الدنيا وما فيها و من فيها بسبب.

وأما الأحياء فلا نشك في قدرة كل أحد منهم على أن يقدم لك من المعونة ما جرت العادات بتبادله بين الأحياء مما يدخل في حيز قدرتهم التي منحهم الله تعالى. كأن يقرضك مالا أو يصف لك دواءً؛ أو يعلمك علمًا أو يدلك على طريق، أو يقضي أمراً مما يدخل في مكنة المخلوقين الذين أمرهم الله بالتعاون على الخير والبر والمعروف. قال تعالى ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2].

أما أن يعتقد الناس أنهم يسمعونهم - في البعد - إذ يدعون؛ أو ينفعونهم أو - يضرون - فتلك عقيدة الجاهلين المفتونين. عقيدة خاطئة تذهب بإيمان معتقدها وتودي بيقينه.

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف الخلق وأكرمهم على الله يأمره ربه أن يبلغ الناس جميعاً أنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. قال تعالى ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 188].

فإذا كان الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فهل يملك ذلك لغيرهم أولئك الذين لا ندري ما مصيرهم، ولا علام انطوت قلوبهم.

يتحدى الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل بهم العذاب ليكون آية على صدق رسالته، فيأمره ربه تعالى جده أن يقول لهم ﴿ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ * قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [الأنعام: 57، 58].

ضل من يدعو غير الله؛ وخاب من يستعين سواه؛ وخذل من استعان غير مولاه.

يا حسرة على العباد يأمرهم ربهم أن يدعوه وحده مخلصين له الدين؛ فيعرضون عنه ويدعون من لا يستجيب لهم إلى يوم القيامة. قال تعالى ﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 65] وقال تعالى ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60] وقال تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186] وقال تعالى ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾ [الإسراء: 56] وقال تعالى ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 13، 14].

هذا قلّ من كثر من الآيات التي تدعوك إلى أن توجه دعاءك لله وحده، فأصغ إلى قول ربك وتدبر آياته وأدعه وحده، ولا تشرك به أحداً، ولا تعش عن ذكره. وتأمل قوله تعالى ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ ولا تصغ إلى أولئك المفتونين الذين يضلونك عن الحق بعد ما تبين، ويصرفونك عن الهدى بعد إذ جاءك، فإنهم سيتبرأون منك يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. قال تعالى ﴿ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ ﴾ [الزخرف: 36 - 38].

فراجع نفسك وثُب إلى رشدك، وتدبر قول ربك ﴿ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف: 80].

وفقنا الله جميعاً إلى سلوك صراطه المستقيم، واتباع آثار نبيه الكريم.

مجلة الهدي النبوي

 تم النشر يوم  الأربعاء، 27 مايو 2015 ' الساعة  2:08 م


 
Toggle Footer