الأحد، 27 يناير 2013




تعارف الشعوب بين البرّ والقسط وبين الموادة والموالاة


د. عدنان علي رضا النحوي

عندما يتحدث بعض المسلمين عن مراحل العمل الإسلامي والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين وأسس التعامل معهم، فإنه يضع قضية " التعارف والتعاون " بمضمونها العـام هي الأساس الأول والوحيد، والهدف الأهم والبعيد[1]، مستشهداً بالآية الكريمة من سورة الحجرات وحدها مغفلاً الضوابط المفصّلة في آيات كريمة وأحاديث شريفة أُخرى، وفي الآية نفسها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [ الحجرات: 13 ].
نعم ! إن الله يريد من الناس أن يتعارف بعضهم على بعض. ولكن ما هو أساس التعارف وما هو نهجه وما هو هدفه؟! يجيب على هذه الأسئلة آخر الآيات الكريمة ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13]، ثم تبيّن الآيات السابقة والآيات اللاحقة من سورة الحجرات بعض معاني التقوى والإيمان.

فقد وضعت هذه الكلمات ميزان الحكم على التعارف ليكون كما يريده الله، ليكون أساسه التقوى والخشية من الله، فالله عليم خبير بما تكنُّ الصدور وبما تعلن.
فأساس التعارف بين الشعوب والقبائل كما يريده الله سبحانه وتعالى ينطلق بالنسبة للمسلمين من وفائهم بواجب الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد إلى الإسلام كما أُنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) دون تبديل ولا تحريف. إن هذه الدعوة الإسلامية هي ميدان التعارف ومنطلقه، وهي التي تحدّد نهجه وهدفه، حتى يتحقق قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].
الآيات الكريمة التي تأمر المسلمين بأن ينهضوا لتبليغ دين الله كما أُنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) أكثر من أن تُحْصَرَ في هذه الكلمة. ولكننا نورد هنا قبسات قد لا تعطي الصورة الكاملة ولكنها تشير إلى بعض ملامحها أو أهمها: ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [ النحل: 125 ].
هذه هي صورة من صور التبليغ ومرحلة من مراحله. ولكن الذين تدعوهم إلى الإسلام قد يجابهون الدعوة بالعـدوان والظلم. فيختلف الموقف عندئذ ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [ العنكبوت: 46 ].

فتأتي الآية الكريمة هنا لتقرر أمرين هامين: الأول: استثناء الظالمين من المجادلة الأحسن ﴿... إلا الذين ظلموا مِنْهُمْ ... ﴾ ! الثاني: وجوب إعلان الحق وإبلاغه لهم بجلاء ووضوح ودقة: ﴿ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ﴾[العنكبوت: 46]! وهذا الجزء من الآية الكريمة يفيد بأن ما أنزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) وما أنزل على الأنبياء من قبل دين واحد هو الإسلام.

وكذلك قد يبرز ظلم هؤلاء على صورة اعتداء ظالم فيتغير الموقف:
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ. وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ. إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ﴾ [ النحل: 126-127 ].

فللمسلمين أن يردّوا على العدوان بمثله. وعليهم أن ينظروا إلى واقع الأمر ويبحثوا عن أقرب المواقف إلى التقوى، أيعاقبون كما عوقبوا أم يصبرون ! والله سبحانه وتعالى ضرب لنا مثلاً على ضرورة النظر إلى أي المواقف أقرب للتقوى حين أوصى نبيه عند نزول الآيات بالصبر " واصبْر "، على أن لا يكون صبره إلا بالله، خاضعاً لحكمه، حاملاً دعوته، ماضياً في البلاغ، يعدُّ أسباب القوة وهو يصبر وهو يجادل بالتي هي أحسن، ليكون على أتم الاستعداد إذا اعتدى عليه أو ظلم، فلا يؤخذ فجأة وهو غافٍ أولاهٍ.

إن الناس تستمع إلى الدعاة حين تكون الدعوة قوية أكثر مما يستمعون إليها وهي ضعيفة لا تستطيع أن تحمي نفسها.

إن الذين يدعون اليوم إلى تعارف السلام، مستسلمين أو مطمئنين أو واهمين بجدّية السلام، غاب عنهم أو تناسوا هذه الضوابط التي فرضها الله، لتكون جزءاً من بناء الدعوة ومسيرتها ونهجها، ولتستطيع الدعوة أن تبلغ أهدافها الربّانيّة في الواقع البشري.

إن التعارف بين الشعوب في الواقع البشري، في واقع الحياة، يمضي على سنن ربّانيّة نراها جليّة في مسيرة التاريخ البشري. إنه يأخذ صوراً متنوعة وأشكالاً متعدّدة تتناوب كلها بين السلم والحرب، والود والكراهة، والصلة والقطيعة، والظلم والبر. ولكن الحروب والعدوان والظلم أخذ مساحة أوسع في التاريخ البشري، حيث كان المجرمون في الأرض يشعلونها، والمفسدون يغذونها، والظالمون المعتدون يقودونها.

وهذه الوقائع شاهدة في أيام النبوة الخاتمة، حيث كان المجرمون هم الذين يشعلون الحرب معركة بعد معركة، وعدواناً بعد عدوان، وكذلك أيام الخلفاء الراشدين الذين دفعوا الفتوح في الأرض، ليبلغوا رسالة الله، ويصدوا عدوان الظالمين، فعرفت البشرّية آنذاك معنى العدل والأمن والسلم. وكأننا لا نجد في التاريخ البشري مساحة أمن وعدل وسلام إلا المساحة التي بسطها الإسلام في تاريخ غير قصير. وإن حدثت بعض المظالم في فترات من تلك المساحة فإنها تظل في مستوى أخف مما ارتكبته الشعوب الأخرى وفي مساحة زمنية أقصر.


من الذي يريد السلام في الأرض حقيقة؟! هل المجرمون المعتدون الظالمون يريدون السلام؟! هل قوى الشر عبيد المصالح المادية المتصارعة يريدون السلام؟! هل عبيد الشهوات، عبيد الدنيا، يريدون السلام؟! كلا ! إن الذين يريدون السلام هم الذين يحملون العدل ويدعون إلى الحق، ويعبدون الله حق عبادته. وهم يدركون أن السلام لا يمكن تحقيقه في الواقع إذا كان طُلابُه ضعفاء مجردين من العدة، واهي القوى، لم يعُدوا للأمر عدّته.

أولئك المجرمون المعتدون الظالمون لا يستطيعون أن يعيشوا إلا في أجواء الفتنة وظلام الصراع والفساد. فهم أبداً طلاب حرب وعدوان وظلم. هم المعتدون دائماً:
﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾[ التوبة: 10 ].

لذلك حين يدعوا المسلم إلى السلام يجب أن يأخذ هذه الحقائق كلها في اعتباره، وأن يأخذ جميع الضوابط التي بينّها وفصّلها منهاج الله في حسابه وتقديره.

إن الله سبحانه وتعالى يريد من عباده المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على أساس متين ثابت. وهذا الأساس هو الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد، إلى الإسلام، دين الله الذي لا يقبل الله غيره، مع الإعداد الدائم للقوة. إن الله سبحانه وتعالى بعث الأنبياء والمرسلين الذين ختموا بمحمد (صلى الله عليه وسلم)، ليجتَثُوا الكفر والإلحاد، والشرك والنفاق من الأرض وليبلّغوا رسالة الله ودينه الحق.
إن إقامة العلاقات بين المسلمين وغيرهم لها هدف عظيم في واقع الإنسان! فما هو هذا الهدف العظيم؟! إنه إدخال الناس في الإسلام لإنقاذهم من هلاك محقق إذا ماتوا على الشرك أو الكفر أو على دين غير دين الإسلام: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ آل عمران: 85 ].
إن الهدف العظيم هو إنقاذ الإنسان، إنقاذ البشرية، لا يرجوا المسلمون بذلك الأجر والثواب من الناس، وإنما يرجون الأجر والثواب من عند الله. ولا يستطيع المسلمون أن يحققِّوا ذلك وهم ضعفاء لم يُعدّوا للأمر عدّته، ولم يطيعوا الله ورسوله فيما أمرهم به: ﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: 85 ].
فيكون المسلمون بذلك مستعدين لجميع الاحتمالات والمواقف، فإن كان صدٌ عن سبيل الله لم ينفع معه بلاغ ولا نصح، نهضوا إلى ما أمرهم الله به ورسوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [ الأنفال: 39 ].

وعن ابن عمر رضي الله عنه عن الرسول (صلى الله عليه وسلم): " أُمِرْتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقّها وحسابهم على الله " [ رواة الشيخان ][2].

وهذا الحديث الشريف متواتر، وهو واضح جليّ لا مجال للانحراف به إلى تأويلات تبعد به عن الهدف العظيم الذي أشرنا إليه، ألا وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور، إنقاذهم من فتنة الدنيا ومن نار جهنم وعذابها في الآخرة. إنه أعظم هدف في حياة البشرية، وأعظم عمل إنسانيّ.


أرأيت لو أنك شاهدت رجلاً ماضياً في دربه، وأمامه، إذا استمر في سيره، هوَّة عظيمة عميقة فيها لهيب شديد سيقع فيها، أكنت تتركه حتى يهلك ويقع في النار، أم تسرع إليه لتبعده عن دربه المنحرف بالكلمة الطيبة أو بالقوة؟!

كم تكون الجريمة كبيرة لو تركت َ الرجل لَيْهوِي إلى هلاكه، وكم يكون إنقاذه عملاً جليلاً عظيماً؟!

هذا هو الحال مع رجل واحد، فكيف يكون الأمر في حالة إنقاذ البشرية كلها؟! إنه الهدف العظيم والأمر الجليل الذي بعـث الله من أجله الأنبياء والمرسلين، ومن أجله أنزل الكتب، ومن أجله ختم ذلك كله بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وبالقرآن العظيم، ومن أجله أصبحت المسؤولية والأمانة في عنق الأمة المسلمة كلها، وفي عنق كل مسلم مكلّف قادر.

إن الناس اليوم أباحوا القتال وباشروه على نطاق واسع ملأ الأرض من أجل عَرَضٍ من الدنيا، عرضٍ رخيص ومتاعٍ زائل. أباحوا القتال وخاضوا غماره ليذهب ضحيته الملايين من البشر، وليجوع الملايين، وليشوّه الملايين، تحت دعوى السلام الكاذبة والشعارات المزخرفة، ليتعارف الناس من خلالها على مصالح ماديّة متصارعة، وعلى عدوان ظالم بعد عدوان، وعلى فتن ممتدّة تهلك الناس في الدنيا والآخرة. ما أفظع هذه الجريمة المروّعة الممتدة في التاريخ البشري بكل مآسيها وآلامها وويلاتها وفواجعها.

لذلك شرع الله سبحانه وتعالى التعارف بين الناس على أسس أخرى ولأهداف أخرى وعلى نهج أخر. شرع الله التعارف بين المسلمين وغيرهم ليكون أساس ذلك الدعوة إلى الله ورسوله، إلى الإيمان والتوحيد، إلى تبليغ رسالة الله كما أنزلت على محمد (صلى الله عليه وسلم)، لتحقيق هدف عظيم في الحياة الدنيا، هو إنقاذ البشرية من فتنة الدنيا ومن عذاب الآخرة. ولذلك جاء شرع الله بهذا الصدد شرعاً متكاملاً مترابطاً ونهجاً ممتداً بيِّناً مفصَّلاً، حتى لا يزيغ عنه إلا هالك. ولقد عرضنا هنا قبسات فقط لتشير إلى بعض ملامح هذا النهج الذي يفصّله منهاج الله. فمن الخطأ الكبير أن نبني على آية واحدة من سورة الحجرات حكما يقوم عليه التعارف بين الشعوب، وتقوم عليه دعوى السلام.
وحين ينطلق المسلمون في الأرض يحملون رسالة الله ليبلغوها للناس كافة، ولتكون أساس التعارف، فإنهم قد يمرون بحالات سلم أو بحالات حرب، ولكنهم في جميع الحالات لن يكونوا هم المعتدين الظالمين. كيف يكونون معتدين والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾[ البقرة: 190 ].
وكذلك: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾[ البقرة: 193 ].
المجرمون في الأرض هم المعتدون دائماً. إنهم المشركون الكافرون الظالمون الذين تدفعهم مصالحهم الظالمة، ومطامعهم التي لا تنتهي، وتنافسهم على الدنيا، إلى الاعتداء والعدوان الدائم: ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾[ التوبة: 8 ].
وكذلك: ﴿ لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾ [ التوبة: 10 ].
وآيات أخرى كثيرة وأحاديث متعددة تكشف لنا هذه الحقيقة. وكذلك فإن مسيرة التاريخ تكشف لنا هذه الحقيقة، وتكشف إصرار الكافرين والمشركين وأهل الكتاب على فتنة المسلمين عن دينهم وردهم إلى الكفر، ولو أدى ذلك إلى القتال: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [ البقرة: 109 ].
وكذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 100 ].
وكذلك: ﴿ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ [ البقرة: 120 ].

وسبب هذا الإصرار من جانب أهل الكتاب والمشركين، أنهم أدركوا أن الحق الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) من عند الله، مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه، يقف أمام أطماعهم وعدوانهم ولا يقبل تنازلاً ولا مساومة معه على الحق أبداً. لذلك لا يبقى أمامهم إلا أن يفتنوا المسلمين عن دينهم حتى يصبحوا سواء في الفتنة والفساد أو أن يعتدوا عليهم بالقتال الدائم المستمر حتى يخضعوهم ويقهروهم.

وفي اللحظة التي يتوقف فيها المسلمون عن حمل الدعوة وتبليغها للناس كافة مع الإعداد التام والقوة التي تُرهب كما أمر الله، وفي هذه اللحظة ينقضُّ أعداء الله على المسلمين قتلاً وتشريداً، وفتنة وتنكيلاً.


والتاريخ شاهد على ذلك كله. وآيات الله في كتابه العزيز أكبر شهادة وأوثق معلومات. ومن أصدق من الله قيلاً؟!

انظر كيف هبّ العالم كله ليؤيد طلب النصارى في تيمور الشرقية بالاستقلال، طلبهم غير العادل ولا المعقول، وانظر كيف خذلوا المسلمين في الشيشان حين هبّوا ليطلبوا الاستقلال، الطلب الحق الذي جاهدوا من أجله عشرات السنين، وقدموا تضحيات كبيرة في سبيل الله. المسلمون اليوم يمرون بأقسى مرحلة عرفها التاريخ من إذلال وهوان، واحتلال ديار ونهب ثروات، وغزو عدواني قاهر، ونشر للفتنة والفساد. المسلمون اليوم يُؤذَوْن أشدَّ الإيذاء، واليهود والنصارى والمشركون يتمتعون بالقوة والسيطرة، ومن كان منهم بين المسلمين لا يجد إلا حسن المعاملة، والمسلم لا يجد إلا الإذلال والقسوة. ومع ذلك تجد الدعوات تتعالى من المسلمين أو من بعضهم: أَنْ أحْسنوا معاملة غير المسلمين وأعطوهم حقوقهم ولا تطالبوهم بالجزية وأرفقوا بهم. أما كان أحرى بهؤلاء الذي يدعون بذلك أن يدعوا إلى إنصاف المسلمين والرحمة بهم؟!أليس المسلمون اليوم أولى بالبرّ والقسط؟!

نحن مأمورون بالبر والقسط مع جميع خلق الله، إذا كُنَّا نحن الذين نحكم، وإذا كان شرع الله هو الذي يطبق. ولكننا غالينا في البر والقسط مع غير المسلمين حتى تحوّل إلى ولاء وموالاة مما حرمه الله، وظلمنا أنفسنا حين حجبنا البر والقسط عن أنفسنا. أصبح المسلم يوالي غير المسلم ويتآلف معه، ويهجر أخاه المسلم ويحاربه، ويمضي ذلك كله تحت شعار الإسلام، وتأويل بعض الآيات تأويلاً فاسداً، وإخراجها من معناها البين الحاسم إلى ظلال يمدها الهوى والاضطراب والتناقض، أو الأخذ بجزء من آية لا يعطي الصورة الكاملة، أو الأخذ بآية تُنْتَزَع من جوّ السورة والآيات بعدها، ثمّ يُبنى حكْمٌ وفتْوى على أساس هذا الجزء.

إننا نثير أحياناً تصورات وقضايا، ونعرض فتاوى وآراء، في غير وقتها وعلى غير وجهها، حين لا تمثل حاجة للمسلمين حين تُعرض، وتُغْفَل قضايا أخرى للمسلمين حاجة أساسية بها. فحين يلح بعضهم بضرورة البر والقسط مع غير المسلمين، والبر والقسط متوافر لهم، فإنهم يتناسون قضية الموالاة فلا يتعرضون لها، وينسون أن موالاة الكافرين وأهل الكتاب معصية كبيرة، تجلب غضب الله ولا تأتي باحترام من والاهم المسلمون ولا بمودتهم. فهؤلاء يعرفون حكم الإسلام فيهم، فحين يرون المسلم خالف حكم دينه يخف احترامهم له ويفقدون ثقتهم فيه، ويتمادون في إذلاله والعدوان عليه.



[1] فيصل المولوي: الأسس الشرعية للعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين: (ط: 2) المقدّمات الأساس الأول: التعارف والتعاون ـ ض: 9)

[2] صحيح الجامع الصغير وزيادته: (ص: 3)-(رقم: 1371). وأخرجه النسائي عن أبي بكرة، وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة.


شبكة الألوكة


 تم النشر يوم  الأحد، 27 يناير 2013 ' الساعة  2:28 م


 
Toggle Footer