السبت، 2 فبراير 2013

تقويــــــم الــــــذات
الدكتور : عبدالله بن يوسف الحسن
* أنه خيط من ضوء ، يمثل عينه مقتبسة من أعماق الروح ، ترسله رغبة التقويم ، لتجري عليه عملية التحليل .
* فيشق الضوء طريقة في ظلمات الخفاء والأسرار الدفينة...
* فيلتقطه موشور الصراحة القلبية قبل وصوله إلى مرآة آراء الناس، ويرى أنه أولى منهم ، وبالمهمة أجدر، وعليها أقدر ، فيعكس الومضة المبتعثة ، فيحللها إلى ألوان الطيف النفسي ، ويكشف عن المكنون.
* فتعكسها ثانية عدسة النقد الذاتي المقعرة ، ولا تسمح بتبديدها في تيه اللانهاية..
فتنتصب الصورة الفردية قائمة .
فإن كانت لثقة : فستكون شامخة...
وتلك هي صورة الغلاف التي صممها وجمع إشاراتها: محمد أحمد الراشد... 
تقويم الذات
قد يضطر الداعية فردا كان أو مسؤولا للحديث عن نفسه جرحا أو تعديلا ، ويتباين حجم هذا الحديث من شخص لآخر ، كما يختلف خفة وجنوحا ، وتختلف الدوافع له ، فقد يتحول من التواضع الملازم لنقد الشخص نفسه إلى التكلف، ومن المدح التعريفي إلى الغروم المذموم، وتتباين استجابة الآخرين كذلك لكل من الذم والمدح معا، ما بين مصدق ومكذب، أو بين راض مشارك أو رافض مناكف معا. وما بين مستمع معجب، أو ساكت على مضض ، وبالتالي فإن عملية التقويم قد تكون نافعة في بعض الأحيان ، ولكنها مضرة في معظم الأحايين، وقد يلجأ إليها الداعية أحيانا، دونما شعور بالضرر ، مما يؤدي إلى تصاغره في أعين إخوانه، وقد يبرر البعض لأنفسهم عذرا، بينما تكون قاصمة لظهره عند غيره. 
ومن جهة أخرى ، قد يلجأ الداعية الأمير أو المربي لتباين نفسه بالحق بالخير الذي عنده ، ووفق موازين شرعية صحيحة، ولكن قصور الفهم عند غيره ، وعدم إدراكهم لأدلة المدح الشرعية أو الموازنة بين المصالح يسبب إعابة لقوله الصحيح ، وقد يؤدي إلى أن يلجأ البعض إلى النقد والتجريح، والبعض إلى الثناء والمديح ، ولما بينهما من بون في التقويم تحصل القالة، وقد تتطور إلى فتنة بعد غيبة ونجوى. 
إن حصول هذه الظاهرة وسط الجماعة المؤمنة، تقود إلى ضرورة بيانها كمفهوم تربوي يهم القادة  كما يهم الجنود , ويحتاجه القدماء كحاجة الجدد ، ولا بد من إيضاح أدلته الشرعية ، ووضع الموازين الضابطة له ، التي تخدم الأهداف وتقي مواطن الزلل ومكامن الخلل. 

الواثق .. اللوام

 

** يتميز تقويم الداعية لنفسه بأحد أمرين ، أولهما : نقد ذاته ، وتجريح نفسه ، ولومها أمام الناس ، بل والحديث عن نقائصه، وذنوبه ، ومحاولة إبداء التواضع باتهام نفسه بالعبارات القاسية، وإضافة خصائص النقص لذاته، وهذا مما لا يجوز شرعاً فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( لا يقولن أحدكم خبثت نفسي، ولكن ليقل : لقست نفسي)  ([1]) .
مما يدل على كراهية مثل هذه الأقوال ، وهي ليست من التواضع – وإن كان صاحبها صادقا – لما في ذلك أثر تربوي على النفس في إضافتها للصفات القبيحة ، وفي هذا الحديث:
( إن المرء يطلب الخير حتى بالفآل الحسن، ويصف الخير إلى نفسه ولو بنسبة ما ، ويدفع الشر عن نفسه ما أمكن، ويقطع الوصلة بينه وبين أهل الشر حتى في الألفاظ المشتركة.. ويلتحق بهذا أن الضعيف إذا سئل عن حالة، لا يقول : لست بطيب، بل يقول: ضعيف) ([2]) .
أما إذا كان نقد النفس يحمل بين طياته نية فاسدة كمحاولة إظهار فضل النفس وتواضعها ،وابتعادها عن المدح والثناء، أو لاستجلاب المدح بطريقة ملتوية ، فالأمر أقبح وأسوأ ، وهو من الرياء المبطن، والتكلف المذموم، والتفاخر المغلف.
ومما ورد الحسن: ( ذم الرجل نفسه في العلانية، مدح له في السر).
وكان يقول : ( من أظهر عيب نفسه فقد زكاها ) ([3])

** وقد يحصل أحيانا أن ينفد المرء نفسه حتى ينسحب من تكليف، أو نتيجة ضعف ثقة بالنفس، أو أن الشيطان يزين له الأمر ويأتي له عن طريق التقوى والإيمان ليبعده عن فعل الخير، كما قد ينقد نفر آخر أنفسهم من أجل أن ينكر عليهم المقابل هذا النقد، فيأخذ الذام لنفسه بالمفهوم المضاد فيفرح طربا حيث استجلب لنفسه المدح المبطن عن طريق متلو، أما إذا أراد الإنسان معاتبة نفسه ، ورد كيد الشيطان ، ومحاسبة ذاته فهاذ كله شيء حسن، ولا بد للمؤمن منه، ولكن بشرط أن يفعله ما بينه وبين الله تعالى، وإلا تحول إلى نوع من الغرور حتى يقع في تلبيس الشيطان، ويتحول من غرور إلى أخر ، بل هذه هي المحاسبة الحقة، وفيها رد لكيد الشيطان ، ومجانبة للرياء الخفي والمحاسبة لابد منها لصدق المراقبة ، ومن حاسب نفسه في الدنيا ، خف يوم القيامة حسابه ، وحسن مقلبه ، ومن أهمل المحاسبة دامت حسراته، وهذه المحاسبة تكون بعد العمل ومع النفس. 
قال تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ ([4])
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ).
وقال الحسن رضي الله عنه : ( المؤمن قوام على نفسه ، يحاسب نفسه ) ([5]) .

** ومن مقتضيات المحاسبة الشرعية توبيخ النفس ومعاتبتها وذمها، لتقويمها وقودها لعباده ربها، ومنعها عن شهواتها ، وفطامها عن لذاتها، فقد خلقت النفس أمارة بالسوء ، فهذا النقد للنفس والمعاتبة في الخلوات هو المطلوب، ويزداد عز المؤمن ، وتطمئن نفسه بزيادة المعاتبة لها، واستصغار عمله إمام الباري عز وجل فالنفس.
( إن لازمتها بالتوبيخ والمعانية والعذل والملامة ، كانت نفسك هي النفس اللوامة التي أقسم الله بها ، ورجوت أن تصبر النفس المطمئنة المدعوة إلى أن تدخل في زمرة عباد الله راضية مرضية، فلا تغفلن ساعة تذكيرها ومعاتبتها ، ولا تشتغلن بوعظ غيرك ما لم تشتغل بوعظ نفسك ... ) ([6]) .
مفصل التزكية يشعب طرق التردية

** لقد سبق الحديث عن ذم الإنسان لنفسه في خلوته وأمام غيره، والحكم فيها.. أما مدح الإنسان لنفسه فالأصل ليه عدم الجواز، وعليه مار ذم أمراض القلوب ، وعلى ذلك جرت سنة الخلفاء الراشدين العامة والصحابة ، وعلى هذا المنوال سار السلف الصالح. إستنادا إلى قوله تعالى : ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ([7]) .
وقوله  : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ([8])
سواء كان المدح مع نفسه ، وهو ما يسمى بالعجب أو الغرور ، أو أمام غيره من الناس ، وهو المقصود هنا وعله الكراهية فيه أو عدم الجواز أنه مظهر من مظاهر عيوب القلب غالبا ، ويعكس مدح النفس والمبالغة باطرائها مجموعة من أمراض القلب ، بل وقد يقود إليها، ومنها:
1- الرياء وحب الجاه والرئاسة :
إذ يغلب ذلك على قلب الضعيف ، فيقصر همه على طلب المديح ، فإذا افتقده : طلب ذلك بنفسه مراعاة للخلق ، ولشغفه بإبراز ذاته ، وإظهار حاله، كي تعظم منزلته في عيون الآخرين ، وفي ذلك مظهر من مظاهر النفاق ، والشهوة الخفية ، وقد يضطر إلى المماراة ، واقتحام المحظور حتى يتوصل إلى اقتناص القلوب.
2- الكبر :
إذ هو خلق باطن تظهر ثمرته على الجوارح ،وفيه يرى المرء نفسه أعلى من غيره بصفات الكمال ، ولا يقدر على التواضع ، ويقوده على الغضب لنفسه ، ولا يكظم الغيظ ولا يقبل النصح، فتظهر هذه الخصائص بأشكال متعددة، منها : أن يظهر الكبر على لسانه بالدعاوي والمفاخر والمديح، وتذكية النفس، وحكايات الأحوال في معرض المفاخرة لغيره ، ومدح النفس بالعلم والعبادة ، أو بالذكاء والتجربة أو بالأخلاق والنسب. 
3- العجب:
وهو أحد أسباب الكبر وقائد إليه، فقد لا يصل الإنسان إلى مرحلة التكبر على غيره ، ولكنه معجب بنفسه، ينظر أن ما عنده من نعم كبيرة إنما أوتيها على علم منه، إلى الحد الذي ينسى أنها من فضل الله تعالى ، وذلك هو ظن قارون الذي أراده ، بل يظن أنه ظفر بكل ما يريد ، حتى يرى الصغير في نفسه كبيرا، بل قد يستعظم طاعته وكأنه يمن على الله تعالى وعلى الإسلام بعمله أو قوله. 
4- الغرور :
وهي آفة أخرى تظهر على شكل مديح النفس، من أجل إظهار مخايل الكبر والرئاسة ،ويبرر المدح بطلب عز الدين ، وإظهار شرف العلم وإرغام أهل البدع والمعصية ، وقد يدعي أنه يمدح نفسه ليقتدي الناس به بالعلم والعمل أو أنه يشفع في جلب مصلحة أو لدفع ضرر، وغير ذلك مما يلبس عليه الشيطان، فيفقده حسن النية، ويكون باعثه طلب الذكر وانتشار الصيت. 
5- الحقد والحسد:
وهما من بواعث مدح الذات، إذ أنهما يقودان إلى غليان القلب، وطلب الانتقام، كي لا يحمل سكوته أو عدم مدحه لذاته أنه عاجز، أو يحمل منه على الزلة المهانة، أو خوفا من استصغار الناس له ، فتلازم النفس غدارة، فيغلب على صاحبها حب الثناء، ويستفزه الفرح بما يمدح به.
وواحدة من هذه العلل كافية لرفض مدح الذات، والتبرؤ من إطراء النفس، فكيف بها إذا اجتمعت؟ ولقد تكاثرت النصوص واستفاضت في كراهية هذا الأمر ، مما يستغنى عن الإستفاضة في الحديث عنه . 

المصالح مبزلة الممالح

 

** ولكن يستثنى من هذا الأصل في عدم جواز مدح النفس حالات يجوز فيها المدح، بل ويستحب أحيانا ، ويصل في بعض الأحيان- إلى درجة الوجوب. وهذا الإستثناء محدد بضوابط وحدود يجمعها عمل المصلحة الشرعية، وبعض العلماء لم يأذن بمبدأ الإستثناء من الأصل، وإنما اعتبر مدح الذات على نوعين محمود ومذموم ، ومنهم الإمام النووي حيث قال:
( أعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم ، ومحبوب... فالمذموم : أن يذكره للافتخار وإظهار الارتفاع ، والتميز على الأقران ، وشبه ذلك.
والمحبوب : أن يكون فيه مصلحة دينية ..... ) ([9]) .
ولا مشاحه في التقسيم فالنتيجة واحدة.
ومن أجل تبيان جواز المدح نذكر بعض الأدلة والشواهد التي تدل على الجواز ابتداء، كما أنها توضح المواطن التي يجوز فيها المدح.
** منها : قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين:
" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) ([10]) .
( وفيه جواز الانتساب إلى الأباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها ... وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة ، وعدم المبالاة بالعدو) ([11]) .
ورغم وضوح الاستدلال ، وتخصيص هذا الأمر بالحرب ، ففي غيره من الأحاديث سعة ، فلقد جاء في هذا المعنى أحاديث كثيرة، منها:
" أنا سيد ولد آدم" ، " أنا أعلمكم بالله وأتقاكم" ، " أنا أحق من وفى بذمته" ، " أنا أفصح العرب" ، " أنا أكثر الأنبياء تبعاً يوم القيامة".
" أنا حبيب الله ولا فخر ".
وجميعها تدل على جواز المدح في الحرب وغيره:
*وأقول الصحابة كثيرة جدا.. منها:
مدح عثمان رضي الله عنه لنفسه حيث قال محاجاً من ثار عليه وتربص به:
( ... ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة ، فحفرتها؟ ألستم أنه قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة، فجهزتها ؟ ) فصدقوه بما قال...
هو جزء، من حديث طويل ، قال في شرحه ابن حجر ، رحمه الله:
( وفيها جواز تحدث الرجل بما فيه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة أو تحصيل منفعة ،وإنما يكره ذلك عند المفاخرة والمكاثره والعجب) ([12]) .
- ومدح ابن مسعود رضي الله عنه نفسه فقال:
( ... والله لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله تعالى، وما أنا بخيرهم .. ).
وقال:
( والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت ، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن نزلت ، لو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه) ([13]) .
وواضح أن مدحه لنفسه كان لرد اعتراضات عليه.
ومنها ما قالته عائشة بنت سعد رضي الله عنها :
( أنا ابنه المهاجر الذي فداه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبويه يوم أحد ) ([14]) .
وغير ذلك ، مما هو كثير في أقوال الصحابة في مناسبات شتى ، وكذلك في أقوال التابعين مما لا يترك مجالا للإعتراض على جواز المدح.
وبقي بعد ذلك أبرز دليل : ما كان من القرآن الكريم ، وهو قول يوسف عليه السلام  ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ([15])
وهذا من مدح نفسه :
قال الرازي :
( إن مدح النفس إنما يكون مذموما إذا قصد به الرجل التطاول والتفاخر، والتوصل إلى غير ما يحل ، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم) ([16]) .
وقال القرطبي:
( ودلت الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل ).
قال الماوردي:
( وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات ، ولكنه مخصوص فيما اقترن بمصلحة ، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه ، لما فيه من تذكية ومراءاة ، ) فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله ) ([17]) .
وفي كتب التفسير الأخرى مزيد من ذلك ، وكذلك في شروح متون الحديث ، ومظان وجودها في كتب التفسير عند تفسير سورة يوسف ، أما في الشروح الحديثية ففي أبواب المناقب والسير.
وسوف يأتي المزيد من الشواهد عند الإستدلال بها للأحوال الخاصة التي يجوز فيها مدح النفس .

تواتر التقعيد
** من خلال استقراء النصوص السابقة وغيرها ، يتبين جواز مدح النفس عند المصلحة والحاجة ، وهو ما يحتاجه الدعاة أيضا في مناسبات شتى وظروف مختلفة، فلا بد من فهم هذه الظروف والملابسات التي تجوز مثل هذا الأمر حتى لا يمتنع عنها الداعية تورعا أو حياء ، أو ينتقد عليا القائد أو الأمير جهلا أو تنقصيا ، وبذلك تفوت مصالح راجحة على الدعوة. وسوف نقتصر هنا على ثلاثة نصوص تشمل أكثر هذه الظروف والأحوال التي يجوز فيها مدح النفس ،ثم نذكر بعدها الحالات بشكلها التفصيلي:
الأول: ما ذكره الإمام النووي في كتابة ( الأذكار) .
( .... والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية ، ذلك بأن يكون أمرا بمعروف ، أو ناهيا عن منكر ، أو ناصحا ، أو مشيراً بمصلحة ، أو معلما أو مؤدبا ، أو واعظا ، أو مذكرا ، أو مصلحا بين اثنين ، أو يدفع عن نفسه شراً، أو نحو ذلك فيذكر محاسنه ناويا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله، واعتماد ما يذكره ، أو هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به ، أو نحو ذلك... ) ([18]) .
الثاني: ما ذكره سلطان العلماء، العز بن عبد السلام في ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام).
( ولا يمدح المرء نفسه إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك ، مثل أن يكون خاطبا إلى قوم فيرغبهم في نكاحه، أو ليعرف أهليته للولايات الشرعية والمناصب الدينية، ليقوم بما فرض الله عليه عينا أو كفاية، كقول يوسف عليه السلام : ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ

وقد يمدح المرء نفسه ليقتدي فيما مدح به نفسه كقول عثمان – رضي الله عنه : " ما تعنيت منذ أسلمت ولا تمنيت ...) منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وهذا مختص بالأقوياء الذي يأمنون التسميع ويقتدي بأمثالهم ، وعلى الجملة فالأولى بالمرء أن لا يأتي من أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة إلا بما فيه جلب مصلحة عاجلة أو آجله ، أو درء مفسدة عاجلة أو آجلة ، مع الاقتصاد المتوسط بين الغلو والتقصير.. ) ([19])
الثالث: ما قاله ابن القيم بعد حديثه عن العلم، واستدلاله لجواز إخبار المرء بما عنده منه:
(..... ومنه قول يوسف الصديق – عليه السلام – ﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ فمن أخبر عن نفسه يمثل ذلك ليكثر الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر، أو ليستوفي بذلك حقا له يحتاج فيه إلى التعريف بحبه ما يحبه الله ورسوله من الخير فهو محمود، وهذا غير ما أخبر بذلك ليتكثر به عند الناس ويتعظم ، وهذا ما يجازيه الله بمقت الناس له وصغره في عيونهم ، والأول بكثرة في قلبوهم وعيونهم، وإنما الأعمال بالنيات ، وكذلك إذا ثنى اله، أو ليقطع عنه أطماع السلفة فيه، أو عند خطبته إلى من لا يعرف حاله ... ) ([20]) .

   

 الأبواب العشرة في سور مدينة الذات

 

** إن الأحوال التي يجوز فيها مدح النفس في الجماعة المسلمة ما يلي: 
(1) الترشيح الذاتي لمهمة دعويه ولمصلحة شرعية أو ولاية دينية:
ويتم ذلك دون إلزام الإمام أو الرئيس بالاقتراح ، وإنما يكون غرض المسلم في ذلك إحقاق الحق ، ويفعله لمصلحة المسلمين ، وعزة الإسلام ، ولذلك اعتبر الرازي مقولة يوسف – عليه السلام – من مبررات المدح المشروع فقال:
( إن السعي في إيصال النفع إلى المستحقين ، ودفع الضرر عنهم أمر مستحسن في العقول) ([21]) .
( ... فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره ، وهذا الحكم اليوم ، لو علم إنسان من نفسه أن يقوم بالحق في القضاء ، أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامة لتعين ذلك عليه ، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك ، وبخبر صفاته التي يستحقها بها من العلم والكفاية وغير ذلك) ([22]) .
ويتضح من هذه النصوص ترجيح مدح النفس عندما يرى الإنسان نفسه صالحا لولاية دينية لا يجد غيره أصلح منه لها، وهذا دليل الإيجابية ، وعلى هذا فعلى الداعية أن لا يبرر سلبيته أحيانا بالتقوى أو التواضع، وعليه بالتصدي لإظهار نفسه للمهمات الإسلامية، أو الانتداب لعمل، أو الاتصال بشخص ، وكذلك في أي ولاية مؤقتة كرئاسة مؤتمر، أو مسؤولية تفاوض، وغير ذلك مما يقاس عليه ، على أن يتحدد المدح وأن يكون أمام من لا يعرفوه ، أما لحداثتهم ، أو مجيئهم من منطقة أخرى، وغنى التذكير أن وصف الداعية لذاته لا يلزم الأمير بشيء.
2- إظهار الحق وشكر نعمة الله تعالى :
وهذا ما ظهر من تطبيق قوله تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ .
والداعية باعتباره مؤمنا عليه شكر المنعم بالتحديث بنعمته عز وجل. 
3- الدفاع عن النفس:
ومثله الاضطرار لذكر الفضل إذا خلا من البغي والاستطالة ، وخصوصا عند تعرض المسلم لنوع من الحسد والمماراة ، ومحاولة النيل منه ، وتحطيم جهوده ، كما قال سعد – رضي الله عنه:
( إني لأول العرب من رمى بسهم في سبيل الله ، ورأيتنا نغزو، ومالنا من طعام إلا ورق الحبلة ، وهذا السمر ، وأن كان أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط ، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني علي الإسلام ... ) ([23])
ويستشهد بهذا الأثر في جواز المدح عند وجود المصلحتين السابقتين ، كما سبق نظير ذلك في دفاع عثمان بن عفان – رضي الله عنه – بمدح نفسه أمام جمع من الصحابة . قال ابن الحجر رحمه الله نقلا عن ابن الجوزي – رحمه الله – قوله:
( إن قيل كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه ، ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه؟ فالجواب: أن ذلك مساغ له لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة فاضطرب إلى ذلك فضله. والمدحة إذا خلت من البغي والاستطالة وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله لم يكره، كما لو قال القائل: إني لحافظ لكتاب الله عالم بتفسيره وبالفقه بالدين ، قاصدا إظهار الشكر ، أو تعريف ما عنده ليستفاد ، ولو لم يقل ذلك لم يعلم حاله) ([24]) .
وقد سار السلف على هذا المنوال في دفع التهم عن أنفسهم ، وفي مجال الدعوة والعمل في سبيل الله ، ورد الشبه والأقاويل لما فيه مصلحة العمل الإسلامي ، فقد يقود تجريح الشخص إلى ظلمه وحربه ، وبالتالي إلى إهمال أفكاره وأقواله ، وقد حصل لابن تيمية – رحمه الله – ذلك ، فاجتمع بالناس وقال للأمير والحاضرين ، بعدما سمع مقاله السوء والفتنة عليه:
( أنا أعلم أقواما كذبوا على ، وقالوا للسلطان أشياء، وتكلمت بكلام إحتجت إليه ، مثل أن قلت: من قام بالإسلام أوقات الحاجة غيري؟ ومن الذي أوضح دلائله وبينه؟ وجاهد أعداءه ، وأقامه لما مال؟ حين تخلي عنه كل أحد ، ولا أحد ينطق بحجته عنه ، وقمت مظهرا لحجته مجاهدا عنه مرغبا فيه؟ فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام في فكيف يصنعون بغيري؟.. ) ([25]) .
( إن قيل: كيف ساغ لسعد أن يمدح نفسه ، ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه ؟ فالجواب : أن ذلك مساغ له لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة ، فاضطر
وبعض النقد والتجريح يجري في وسط الجماعة المسلمة، وإنكار حصوله نوع من التكلف والمثالية ، فقد يحصل بين مجاميع مختلفة أو بين بضع أفراد ، ومثل هذه الأمور بعضها ناتج عن ضرورات النفس البشرية، وبعضها ينتج عن بعض الظروف والملابسات الوقتية ، وبعضها بسبب حدة الطبع أو متاعب العمل الدعوي، وبعضها الأخر يكون ناتجا عن عدم فهم البعض أو معرفتهم للبعض الأخر ، ولا ننكر أن بعض الأمور تنتج عن حسد الأقران، أو قلة التقوى ، أو عن الهوى والتسرع، وأيا كان الأمر فإن المتعدي عليه بباطل ظاهر، أو تجريح واضح، يجوز له الرد بالمعروف وإظهار محاسن نفسه ، وكذلك إذا تعرض بعض القادة أو المربين لتجريح الضعاف في الصف ، والمتطلعين إلى المراكز ، أو من بعض المرجفين ، أو أصحاب الحماسة المتهورة ، فقد يضطر إلى المراكز، أو من بعض المرجفين ، أو أصحاب الحماسة المتهورة ، فقد يضطر هؤلاء أمام ضغط النقد الحاد، وحرصا على وحدة الجماعة وتماسك الصف ، إلى إبراز صفاتهم ، وذكر مميزاتهم، كي يظهر فضلهم ، وتبدوا محاسنهم أمام بقية أفراد الجماعة . 

4- التعريف:
وهو أن يضطر المسلم إلى التعريف بنفسه ، وذكر بعض خصائصه التي تؤهله لمهمة ما ، وذلك عند من لا يعرفه، أو عند من ليس له علم سابق ، ومن أمثلة ذلك ، ما قد يعرف به الإنسان فضله في تبيان علم أو تأليف كتاب ، وفي ذلك من روائع البيان ما كتبه السيوطي في التعريف بفن الأشياء والنظائر ، وجهده في جمعه ، فكتب له مقدمه رائعه ، نقتبس منها ما يلي:
( إن هذا الفن لا يدرك بالتمني ، ولا ينال بسوف ولعل ولو أني ، ولا يبلغه إلا من كشف عن ساعد الجد وشمر ، واعتزل أهله وشد المئزر ، وخاض البحار وخالط العجاج ، ولا زم الترداد إلى الأبواب في الليل الداج ، يدأب في التكرار والمطالعة بكرة وأصيلا ، وينصب نفسه للتأليف بياتا ومقيلا ، ليس له همة معضلة يحلها، أو مستعصية عزت على القاصرين فيرتقي إليها ويحلها ، يرد عليه ويرد ، وإذا عذله جاهل لا يصد ، قد ضرب مع الأقدمين بسهم، والغمر يضرب في حديد بارد، وحلق على الفضائل واقتنص الشوارد. 
وليس على الله بمستنكر=== أن يجمع العالم في واحد 


يقتحم المهمة والمهولة الشاقة ، ويفتح الأبواب المرتجة إذا قال الغبي لا طاقة ، إن بدت له شاردة ردها إلى جوف الفراء أو شردت عنه نادرة اقتنصها ولو أنها في جوف السماء ، له نقد يميز بين الهباب والهباء ، ونظر يحكم إذا اختلف الآراء ، بفصل القضاء ، لا يأتي عليه تمويه الأغبياء . وفهم ثاقب لو أن المسألة من خلف جبل قاف لخرقه حتى يصل إليها من وراء على أن ذلك ليس منه كسب العبد. وإنا هو فضل الله يأتيه من يشاء ).
وهذا الأمر من أجل التعريف بفن جديد ، قد أبد فيه .

ثم بعرج على كتابه فيقول:
( وأنت إذا تأملت كتابي هذا علمت أنه نخبه عمر ، وزيادة دهر، حوى على المباحث المهمات، وأعان على نزول الملمات، وأنار مشكلات المسائل المدلهمات ، فإني عمدت فيه إلى مقفلات ففتحتها ،ومعضلات فنقت حتها ، ومطولات فلخصتها ، وغرائب قل أن توجد منصوصة فنصصتها ).
ونرى أنه قد أثنى على نفسه مرتين أولهما لأجل الفن ، والأخرى لأجل كتابة نفسه ، ومثل السيوطي ما فعله قبله الإمام تاج الدين ابن السبكي المتوفي ( 771هـ ) ، يحث قال عن فن ( الأشباه والنظائر ) أيضا:
( اعلم أن أهم ما عني به الفقيه ... القيام بالقواعد واختلاف المأخذ واجتماع الشوارد ، وذلك أمر شديد لا ينال بالهويني ، ولا يدرك شأوه إلا من تصدى بأعمال قلب وقالب.. ).
ثم يستطرد بالحديث عن كتابه الذي حرره من كتاب أبن الوكيل فيقول :
( .... فعمدت إلى هذا الكتاب فاحتلبت زيده، وقذفت من بحر فوائده زيده، وجمعت عليه من الأشباه نظائر، فالأرواح جنود مجندة ، حررته في الدجى بشهادة النجوم ، ولا قيت عسره بهمة نبذت سهيلا باعراء وهم مذموم ، وجلوت من الأشباه عروس شاب لا شبيه لها مظنون ولا معلوم ... ) ([26]) .

وقال إمام الحرمين يصف كتابه ( النظامي) بقوله:
( قد تقدم الكتاب ، محتويا على العجب العجاب، ومنطويا على لب الألباب ، أحدوثة على كر العصر ، وغرة على جبهة الدهر، يعشو إلى منارها المرتبك في الشبهات ، ويلوذ بآثارها المنسلك في مثار المتاهات، ويقتدي بنجومها المترقي في مهاوي الورطات ، وينخنس برجومها المتعثر في أذيال الضلالات ... ) ([27]) .

والدليل على صحة هذا المهج عند المؤلفين ما قاله القرطبي إستنادا إلى مقولة يوسف – عليه السلام :
( إنما قال ذلك عند من لا يعرفه ، فأراد تعريف نفسه ، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى : ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ([28]) .
وهناك العشرات من هذه الأمثلة نراها في مقدمات كتب بعض السلف والتابعين ، وإن كان التواضع أولى ، ولكن يستحسن الثناء على الفن إذا كان فريدا في بابه ، ويقود المدح إلى إطلاع الناس عليه ، وكذلك الحكم بالنسبة للثناء على الكتب أو المحاضرات والدروس ، مع ضرورة مراعاة الكتاب او المربي ضوابط المدح التي سيأتي ذكرها فيما بعد ..
ومن التعريف الذي لا بد منه للداعية أمام إخوانه أن يذكر قابليته في أمر ما ، كان يقول العبارات التالية التي يمكن القياس عليها:
 *أنا أعلم الناس بالفن الفلاني : لأ نني درسته كثيرا ، أو أعددت رسالة جامعية فيه.
 *أنا أعلم الناس بظروف البلد الفلاني لأنني عشت فيه سنوات ، وزرته مرات عديدة ، واختلطت بأهله وعشائره ، ورجاله وساسته.
* أنا أعلم الناس بما يجري بالمنطقة الفلانية لأنني من أهلها ، أو تزوجت منها ، أو خالطت أهلها بكثرة.
* أنا أعلم الأخوة بفلان من الناس، لأني خالطته ، بكثرة ، أو أنه من أقاربي وأهل بلدي.
 *أنا أعلم الأخوة بالحدث الفلاني ، لأنني شاركت فيه ، أو راقبته ودرسته فيها.
 *أنا خير من يستشار في أمر الجماعة الفلانية ، لأنني كانت عضوا فيها.

وهكذا أمور الدعوة المختلفة، سواء كانت فكرية ، أو تربوية ، أو سياسية ، أو اجتماعية ، مما يستحسن للأخ الداعية أن يبين كفاءته فيها ومعرفته بأمورها.
5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
وهذا الأمر وإن تحدد في استثناءات العلماء ، إلا أنه أمر عام يشمل كل الأمور الأخرى ، ولا بأس بذكر بعض المسائل التي قد تحصل على وجه الخصوص وسط الجماعة المسلمة ، ومنها:
* أن يذكر الداعية معرفته وخبرته ،من أجل التحذير من جماعة مشبوهة أو فرد ، يظهر صلاحه ودينه.
* تعريف الداعية بقابليته العملية في الفنون الصناعية ، والرياضية ، والمهارات البدنية .
* تعريف الداعية بنفسه ومدحه لأجل القيام بعملية التوجيه والتربية والإعداد والتعليم.
* ما يذكر الداعية في أثر تصرفاته الحكيمة ، أو طريقته الجيدة في الدعوة ، وأثرها في الناس والدعاة وغيرهم.
* ما يذكر الداعية من تجاربه الناجحة ، وممارساته، سواء في المدارس أو القبائل ، وقدراته السياسية وحنكته في التعامل مع رجال الأحزاب والهيئات ، وذكر دهائه وذكائه في التخلص من المآزق والظروف.
* إبراز الداعية لشهادته وكفاءته أمام عموم الناس الذين يتأثرون بأصحاب الشهادات والألقاب، من أجل التوطئة للسماع الجيد والتأثر بالحديث.
ويقاس على كل ما ذكر كل أمر يساعد على إتمام الأمر بالمعروف وفق مصالح الشريعة. 
6- الانتصاب كقدوة:
قد يرى المربي فتورا من الأعضاء أو كسلا عند الأفراد. أو بعض مظاهر قصور الهمة ، فيضطر إلى إظهار بعض محاسنه ، وكشف بعض تصرفاته حتى يظهر كقدوة للآخرين في البذل والعمل والتضحية، وقد يحتاج لمثل هذا الأمر في صفوف الجماعة ، فعند تشكي الأخوان من قلة الوقت مثلا، يضطر مسؤولهم إلى الحديث عن نفسه وكشف جدول أوقاته وأعماله كي ينتصب لهم قدورة في بذلك الوقت، أو قد يرى تقصيرا في البذل المادي فيضطر إلى ذكر بعض تبرعاته واشتراكاته ومصاريفه، كي ينتصب قدوة في البذل المادي، وقد يلجأ إلى ذكر بعض قراءاته تشجيعا إلاخوانه على القراءة والمطالعة ، وقد يلجأ إلى ذكر مواقفه وثباته في المحن أو صبره تثبيتا لإخوانه، وهكذا ، مما يقاس عليه ، ومداره على المصلحة العامة ، والأمر مقيد بضوابطه، وقمة الضوابط أن تكون النية خالصة لوجهة تعالى. 

7- الإصلاح بين الناس :
وكذلك فض المنازعات، وإصلاح ذات البين ، وأشباه ذلك وما قد يكون أخص من ذلك وسط الجماعة المسلمة كالإصلاح بين مجموعتين إسلامتين، أو إصلاح ذات البين بين داعيتين ، وكل ذلك يحتاج فيه الداعية المصلح إلى مدح نفسه بالمعروف ، بل قد يستحسن له ذلك، كذكر مناقبه ، وقدمه في الدعوة، وأنه فوق مصالح الأفراد ولم يجرب عليه أحد كذبا ، وحسن بلائه في الدعوة ، وقد يطنب في ذكر عدله السابق في المواقف ، وعدم اشتراكه في الفتن ، أو عدم تطاوله في النقد والتجريح ، وعفة لسانه ، وكل الخصائص التي تؤهله للإصلاح بين المتنازعين ، وفض خصوماتهم. 
8- الوعظ والتذكير:
في حالة وعظ الإنسان لغيره في أمر من أمور الخير ، يحتاج إلى رواية بعض الحكايات والقصص التي عواقب الأمور الحسنة ، كعاقبة الزهد والتوكل والصبر والعبادة ، وكل التزام بمعروف ، كما قد يحتاج – من جهة أخرى – ذكر نتائج الأعمال السيئة ومالها.
وفي أثناء ذكر عاقبة أعمال الخير قد يعرج على ذكر قصص حصلت له ، وروايات لأخبار خاصة ، وحكايات كان من ممارسيها ، ولا يخفى ما قد يجره الحديث إلى مدح نفسه وذكر بعض فضائله ، إذ أن الحكاية التي يرويها صاحبها أبلغ بالموعظة ممن تروى عن الغير، ولذلك فإن مثل هذا المدح ، والتعريج على ذلك فضائل النفس لا بأس فيه إذ أمن صاحبه على نفسه العجب والغرور. 
9- مدح النفس أمام الأعداء :
قياسا على ما ورد في النصوص ، من إشهار القائد نفسه ، والتفاخر ، وإظهار الشجاعة ، ويظهر من هذا الدليل إمكانية القياس عليه في مدح الداعية لنفسه في المجالات العامة ، كالاشتراك في مجالس نيابية، أو جمعيات عامة ، أو شركات فيضطر الداعية لإظهار نفسه والفوز بمركز لمصلحة الدعوة ، فيبين ما يملكه من تجربه ، وما حصل عليه من شهادات ، وما يتمتع به من حنكه وخبرة وكفاءة في لك المجال ، مما يمكن أن يكون عبر دعاية انتخابية ، لمجلس نيابي أو جمعية أو نادي ، وكل ما يتعلق بالممارسات السياسية ، خصوصا وأن العلمانيين يتخذون من مسألة الدعاية الانتخابية أقوى الوسائل الإعلامية لتوريج الباطل ، وبالتالي يشكل اتخاذ الوسائل المكافئة تعضيدا لهذا الغرض الذي ذكرناه والمتضمن بالضرورة مدح الداعية لشخصه ،وإبراز مواطن قوتها بالحق والإنصاف ، وقد ورد في الصحيح ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم – على نفسه في الحروب إخافة للعدو ، وتثبيتا للمسلمين ، وقد ذكر هذا الاستنباط في نص للإمام النووي سبق ذكره. 
10- التأديب:
وهذا الغرض ظاهرة المدح لأغراض تأديب الشخص لأولاده ، أو المعلم لتلاميذه ، ولكن مثل هذا المعنى لا يستعمل في الإطار الدعوي ، ويمكن الإستعاضة عنه بمدلول التوجيه مع بقاء المعنى الأصلي كتأديب الداعية لأولاده ، ولطلابه إن كان معلما أو مدرسا، ومفهوم التوجيه يتضمن كلام المربي لإخوانه ، كقوله لغيره: ( أنا أعلم منك بخطورة المسألة الفلانية ، فلا تتوجه نحوها ) أو ( أن خبرتي بالقضية كذا ، وأنصحك فيها بكذا ) أو قلوه: ( رغم شجاعتي أو عقلي، فقد فشلت في تحقيق المسالة الفلانية ) ، وأمثال ذلك، مع ضرورة الحذر الشديد في هذا الباب ، وضرورة الأخذ الحازم بالضوابط الأخرى، كتقدير المصلحة ، ودفع المفسدة ، ومراعاة ظروف الأفراد واستعدادتهم لمساع مثل هذا الكلام. 
ضوابط مدح الذات
 
ومن خلال النصوص يستطيع الإنسان الاستخلاص الضوابط الشرعية لمدح الذات ،والتي يجمعها كلها ضابط المصلحة الشرعية، والمصلحة ( هي المنفعة التي قصدها الشارع لعبادة من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ،ونسلهم وأموالهم ،طبق ترتيب معين فيما بينها )، والمنفعة : هي اللذة وما كان وسيلة إليها ، أو دفع الألم وما كن وسيلة إليه ورغم أن مبحث المصلحة كبيرة ، وليس مجال بحثه هنا – إلا يمكن استلال بعض الضوابط التي تصلح أن تكون محددة لمجال مدح الذات. 
1- أن تدعو الحاجة لذلك ، وكذلك الضرورة:
إذ أن الأخذ بالضروريات والحاجيات من مقاصد الشريعة ، ولما كان المدح الخاص استثناء من أصل، فلا يلجأ إلا عند الضرورة ، أو لوجود الحاجة، وكل من الحاجة والضرورة تقدر بقدرها ، ويجب أن تخدم مصالح الشرعية في حفظ الدين والنفس والمال باعتبارها من مقاصد الشريعة العامة، والقول بمدح الذات عند الحاجة ، أو تبرير المدح الحاجة أو هذه الضرورة ، فإذا ما دعي إلى أمر لا يبادر لمدح نفسه حتى يستفرغ جهده في النظر إلى قابلية الآخرين ، وإذا سئل عن أحد جوانب الخير فلا يبادر إلى وصف نفسه به قبل أن ينصف غيره، وإذا ما سئل عن الأفضل أو الأحسن في مسألة فلا يسارع إلى المدح دون أن يجول خاطره في تمثل صور الغير ، ولا يعتبر السؤال عن صفة ما يقوم مقام الضرورة فيبادر إلى إدعاء الصفة إلى نفسه ، حتى ولو كانت صحيحة – إذا ما كانت تتدفع بإجابة غيره وهكذا رد معاوية – رضي الله عنه – صفة السيادة للقوم على من أدعاها ( قال معاوية – رضي الله عنه – لرجل: من سيد قومك؟ قال : أنا ، قال : لو كنت كذلك لم تقل ) ([29])
ومن متممات هذا الشرط أن لا يغفل مادح نفسه عن ورد كل الفضل فيما حاذه من خير إلى الله تعالى ، وأنه سبحانه هو المنعم عليه بذلك ، ولا حوله ولا وقو إلا به ، وأنه كان جاهلاً فعلمه الله ، وعاجزا فمكنه الله ، هو عز وجل الواهب والمتفضل والميسر ، ومنه الهدايا وله المنه ، ويظل لسان المادح نفسه رطبا بمثل هذه المعاني والألفاظ.
2- أن لا يكون في المدح الشخصي عبارات كاذبة
أو تدليس ، أو شتم، أو نوع من العبارات الغليظة التي يمجها العرف، وكذلك أن لا يختلط فيها شيء ، من الغلظة والغضب، أو أن يمتزج معها عبارات غير شرعية كإدعاء الغيب ، والإطلاع على القلوب ، أو أن يكون الفخر بما لا يحبه الله عز وجل. 
3- أن يخلو المدح من البغي والاستطالة:
أي أن يمتزج مع مدح الشخص لنفسه شيء من الانتقاص من الآخرين ، أو الاستعلاء عليهم ، وأن يكون مع المدح تجريح وتضعيف لغيره ، وكذلك يجب أن يخلو المدح من اختلاطه – ولو بإيماء – بنوع من الغيبة والنميمة ، وكل ما يشابه ذلك من آفات اللسان المعروفة. 
4- أن لا يكون المدح مبالغا فيه :
أي يكون وسطا بين الاختصار المخل الذي يظهر المدح ولا يؤدي المصلحة منه ، وقد يكون مثل هذا الاختصار بسبب خوفه الملائمة أو الحياء، وكذلك لا يكون مبالغاً فيه ، إذ أن من قواعد الشريعة أن الضرورة تقدر بقدرها ، ومدح الذات من الضرورة فلا يتعدى بالمدح الحد المطلوب لأداء المصلحة ، وفي نص العز بن عبد السلام التوضيح لهذا الأمر. 

5- أن لا يقود المدح إلى مفسدة:
وذلك عند جهل الآخرين بالمصلحة أكبر ، فقد يكون في مدح النفس مصلحة ، ولكنه قد يفوت مصلحة أكبر من ذلك ، ويقع ضمن الأمر كذلك اختيار الظروف المناسبة لمدح الذات كالزمان والمكان والأشخاص ، فالمدح في مكان معين قد يجلب مصلحة ، ولكنه يقود إلى مفسدة في مكان آخر ، فمدح القائد لنفسه أمام جنوده وأقرانه ممن يعرفون بعض فضائله ليس كمدح نفسه أمام أتباع ممن يضمرون له البغضاء ، والمدح في وقت معين يكون مصلحة ، وفي وقت آخر يقود إلى مفسدة ، فالمدح عند تفاخر الناس فيما بينهم وأوقات الفتن ليس كالمدح عند صفاء القلوب، وتجاوب النفوس ، وكذلك يراعي الداعية ظروف الأشخاص والملابسات، فالتجمعات التي فيها حماسة للجهاد لا يمدح الشخص نفسه بحسن المقالات وتأليف الكتب وظروف التشاور لانتخاب شخص لمهمة، لا يمدح المرء نفسه في مجالات أخرى، وهكذا مما يقدر صاحب العقل الواعي ، والقلب اليقظ.
6- أن يكون بالأسلوب المتواضع:
حيث يرافقه اللين والمحبة ، فقد يكون مدح النفس مقبولا من الآخرين، ويقدرون المصلحة في قوله، ولكن قد يرافقه شيء من الشدة ما يجعله أقر إلى الغضب والتهور، قود يخالطه من نقد الآخرين ما يحوله إلى نوع من الغرور والعجب ، وقد يمتزج من الألفاظ ما ينتقل به إلى احتقار الآخرين، وبخس الناس أشياءهم ، بل قد يكون التقعر في الكلام ، والتكلف في الجلسة والهيئة ما يوحي به كنوع من التكبر والإستعلاء ، بل مجرد النبرة تجعل المقابل يقبل أن يرفض. 


7- أن لا ينزعج من رد المدح:
إذ أن الداعية – أو المسلم عموما – قد يمدح نفسه بما يظنه وفق الضوابط الشرعية المذكورة ، ويبرر له الشيطان تصرفه هذا ، والإنسان – في العادة – لا يستطيع أن يرى كل عيوبه ، فقد يرد المدح على صاحبه. فإذا كان الداعية متحريا الصدق والنية الصالحة في مدحه ، فلا يضيره رد المدح عليه ، بل عليه أن يفرح بذلك ، إذ أنه نوع من إهداء العيوب، وانزعاجه لدر المدح ، أو غضبه لنفسه قرينه قوية على عدم صدقه في دعواه على توخيه المصلحة من المدح. 


8- أن يكون مادحا لغيره من أصحاب الفضل المكافئ:
إذ أن المسلم الصادق – والمفروض بالداعية ذلك – توخي النية الصالحة وصواب العمل في مدحه لذاته ، مما يوجب عليه أن يمدح أيضا – توخيا للإنصاف من يشاركه في الفضل المكافئ من إخوانه – فهذا أدعى إلى العدل والإحسان ، ودليل الأخوة والمروءة ، وقرينة على صدق التوجه ، وخلوص النية.
* فإذا مدح نفسه لرد تهمة ، فعليه مدح نظرائه ممن وقعت عليهم نفس التهمة.
* وإذا مدح نفسه لمصلحه دعوية في علم أو عمل ، فعليه مدح من يوازيه في ذلك.
* وإذا مدح لتعريف أو أمر بمعروف ، فالإنصاف يقتضي مدح من شاكلة في الأمر.
* وإذا رشح نفسه لمهمة أو ولاية، فما يضيره ذكره غيره من إخوانه من أشباهه.
... وهكذا يقاس على الأمر بقية الوجوه ومقاصد المدح. 

ونعني هنا الموازنة بين المدح الجائز ، وبين التواضع الممدوح ، وهذا ما يحدده الداعية لنفسه ، وعليه أن يراقب قلبه دائما ،ولا يقع تحت طائلة التبرير، ويستغل جواز المدح للاستمرار والمبالغة فيه ، حتى يخضع لتلبيس الشيطان عليه ، فيتحول المدح – بمرور الأيام وستسهاله – إلى الغرور العجب.
وقد وقع للعلماء والسلف أمثال ذلك في قصص كثيرة ، نكتفي منها ما وقع للماوردي – شيخ الشافعية وقاضي القضاة في زمانه – حيث صنف في البيوع كتابا أجهد فيه نفسه ، وكد خاطره ، فأعجب به وأغتر ، فجاءه أعرابيان من البادية روى قصتهم:
( فسألاني عن بيع عقداه في البادية ، على شروط تضمنت أربعة مسائل ، لم أعرف لواحدة منهن جوابا ، فاطرقت مفكرا وبحالي وحالها معتبراً .. فكان ذلك زاجر نصيحة ،ونذير عظه ، تذلل بهما قيادة النفس ، وانخفض لها جناح العجب، توفيقا منحته ، ورشدا أوتيته ، وحق على من ترك العجب بما يحسن ، أن يدع التكلف لما لا يحسن ... ) ([30])
فلينظر الأخ الداعية قصة الماوردي ، وكيف استفاد من شعوره ، وما حصل له ، فاعتبره زاجر نصيحة ، وموعظة من الله له، ودرس وفقه الله إليه، حتى يترك العجب والتكلف ، وأن لا يغتر بنفسه ، ويبالغ في الثناء عليها ، فرب موهبة أعطاها الله لعبد ، تنسل منه في لحظة، وتؤخذ منه بيسر، ورب صفة امتدح الإنسان بها نفسه ونسي الله تنقلب عليه وبالاً . وتخلف فيه ذله ، بل قد تنقلب إلى عكسها ، وقانا الله شر مصارع النفس ، ومساقط الهوى ، وآفات القلوب. 


10- أن يأمن الإنسان على نفسه:
وهذا مما يخص المادح نفسه ، فلكل شخص على نفسه بصيره، ولهذا يجوز المدح لمن يرى من نفسه قوة، ولا يخشى التسميع ، أو لا يغتر بتأييد آخرين لمدحه، أما من يخشى على نفسه فيكره له ذلك ، بل قد يصل إلى مرحلة التحريم .
وقياسا على هذا ، يفضل أن يكون المدح عند الحاجة إليه في أضيق الظروف ، وأقل الأعداد وأمام الأقران والأفاضل ،أما مدح النفس أمام جماهير الدعاة وعموم الأفراد ، وفي المجالات العامة ،وما قد يجره ذلك إلى المزيد من المديح ، والتطاول في الثناء، وتعاقب الأشخاص فردا بعد فرد، بتدبيج العبارات ، وترتيب الثناء ، فمفسدته ظاهرة ، ونتائجه بارزه، إذ يسقط في ذلك أقوياء الرجال ، والبعد عن مواطن التهم أولى وعن أجواء الفتنة وقصم الظهور أجدر. 
احترام يقيك الاستدراج
** وبعد معرفة كراهية مدح النفس ، والضوابط التي تستثنى فيها بعض الحالات فما موقف الممدوح عندما يمدح ؟ وخصوصا أن قابل المدح ومن يظهر الفرح به يكون كمادح نفسه ، وذلك معلوم بالفطرة، ويدركه العقلاء، إذ قيل:
( إن قابل المدح كمادح نفسه ، والمرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذي يحمله على رده ، فإن الراد له ممدوح ، والقابل له معيب) ([31]).
والجواب : إن قبول المدح – وخصوصا إذا كان متكلفا – كمدح النفس المذموم . وقد أثبتت تجارب الحياة الدعوية أو أن المكثر من مدح داعية قديم بتكلف مبالغ فيه غلابا ما ينقلب إلى الضد في العداوة ، لأن مدحه لم يكن خالصا لله تعالى، بل وقد نشاهد أحيانا إثنين يكثر أحدهما من مدح لآخر ، ولا يلبث أن يتحول جميل المدح بينهما إلى ذميم القول، ويكشف أحدهما عيون الآخر ، ويكشف أستاره ، ولقد أدرك السلف ذلك ، فعبر عن هذه الحقيقة علي بن الحسين – رضي الله عنه قائلا: ( ألا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم ، إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم ، ولا يصطحب أثنان على غير طاعة الله إلا أوشكا أن يفترقا على غير طاعة الله ). 
ولهذا فليحذر الدعاة من المدح الكاذب والثناء الزائف ، فإنه كمدح النفس سواء بسواء.
( وإذا سمعت الرجل يقول من الخير ما ليس فيك ، فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك ) ([32]).  
( من مدحك بما ليس فيك من الجميل وهو راض عنك، ذمك بما ليس فيك من القبيح ، وهو ساخط عليك) ([33])
وعلى الممدوح أن لا يقبل مدح المادح إلا وفق نفس الضوابط ، وعند وجود نفس الظروف السابقة والمحققة للمصلحة.
والمسألة سواء إذا كان الممدوح يستحق المدح أو أنه يمدح بما ليس فيه . 
** إن قبول المدح والالتذاذ به ، وميل الطبع إليه دليل شعور النفس بالكمال، وابتعادها عن النقص، أو أن قلب المادح مملوك للممدوح، وملك القلوب محبوب والشعور بحصوله لذيذ، أو أنها سبب لاصطياد القلوب ، إن المدح دليل حشمه الممدوح وقدرته ، وكل ذلك يؤدي بدرجه تنقص أو تزيد إلى قطع عنق الممدوح ، وشعوره بالعجب والفخر إلا من عصم الله تعالى. 
وعلى الداعية والمربي – والأمير خصوصاً – أن يسد أفواه المداحين، وأقل درجاته أن يستوي عنده المدح والذم، ويمتعض من المدح والمتكلف،ولا يصيبه الغم من الذم ، ولا يجد في نفسه نشاطا لإعانة أو توثيق المادح، أو تضعيفا للنقاد والناصح ،كما على المربي أن يستعلي عن كون زلة المادح أقل في ميزان الجرح والتعديل من زلة الذام ، وغير ذلك ، ومما يدرك بالعقل الراجح والفطرة السليمة أن مدح قد رجح شيئا في نفس الممدوح لم يكن لو لا النطق بهذا المدح.
( وعلى الممدوح أن يكون شديدا الاحتراز عن آفة الكبر والعجب، وآفة الفتور ، ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ، ودقائق الرياء ، وآفات الأعمال، فإنه يعرف من نفسه مالا يعرفه المادح ولو أنكشفت له جميع أسراره وما يجري على خواطره لكف المادح .. وعليه أن يظهر كراهية المدح بإذلال المادح ... ) ([34])
وإضافة إلى ما ذكر من عيوب مدح الذات، فإن المعروف من فطر النفوس أن المدح يفتر الممدوح عن العمل ، مما يضيف سببا في كراهيته. 
( فلا يأمن أن يحدث فيه المدح كبرا أو إعجابا أو يكله على ما شهره به المادح فيفتر عن العمل ، لأن الذي يستمر في العمل غالبا هو الذي يعد نفسه مقصراً) ([35])
وتزداد الكراهية في تقبل المدح إذا كان موجها للممدوح بذاته ، أو دون حضور غيره ، أما عند استماع الآخرين فيظل الأمر على أصل الكراهية مع استثناء ما ذكر من الظروف المصلحية ، كالمدح لغرض التوليه الشرعية ، أو إسناد المهمة الدعوية ، أو الدفاع عن عرض الشخص الممدوح ، أو ما قد يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يتعلق بذلك من شهادات وحقوق، وكذلك في الأمور المترتبة على الجرح والتعديل ، وفي ظروف المصلحة المترتبة على المديح من اجل الاقتداء بالممدوح في أعمال البر والخير والجهاد ، وفي مسائل الإصلاح بين الناس ، وما قد يستشهد به لأغراض الوعظ والتذكير ، وكذلك يستحب المدح أمام الأعداء ، لإبداء قوة الممدوح وكفاءته ،مما فيه مصلحة ، وكذلك عند الاضطرار للتعريف، فتعريف الغير خير من أن يعرف الإنسان بنفسه ، لأن لسان المرء عن ثناء نفسه قصير ، وتكليف غيره عند الحاجة إلى ذلك أدعى لدفع تهمه التفاخر والتعاظم عنه ، وغير ذلك من الأمور التي تقاس بما ورد ذكره. 
** وعلى الداعية والمربي، وهو يتخلص من آفات المدح لنفسه أو من غيره أن يتذكر معاتبة النفس دواما.
واعلم – أيها الداعية – أن ألد أعدائك :نفسك التي بين جنبيك ، وقد أمرت بتزكيتها وتقويمها ، وقودها بسلاسل القهر إلى عباده ربها وخالقها ومنعها عن شهواتها وفطامها عن لذاتها ، فإن أهملتها جمحت وشردت ولم تظفر بها بعد ذلك ، والعبد الحق من عرف حقيقة نفسه ، وترك مدحها إلا لمصلحة ولم يستمع ثناء غيره. 
( ولله دار الشيخ أبي مدين حيث يقول: من تحقيق بالعبودية نظر أفعاله بعين الرياء ، وأحواله بعين الدعوى ، وأقواله بعين الإفتراء ، وكلما عظم المطلوب في قلبك ، صغرت نفسك عندك ، وتضاءلت القيمة التي تبذلها في تحصيله ، وكلما شهدت حقيقة الربوبية وحقيقة العبودية ، وعرفت الله ، وعرفت النفس ، تبين لك أن ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحق ولو جئت بعمل الثقلين .. وإنما يقبله بكرمه وجوده وتفضله .. ) ([36])
النية والفراسة تغربلان الجزاف

** تبين ما سبق أن خلاصة الأمر في مدح الذات وتقويمها، منصبه في جملة قواعد تبني على النصوص وتتناسب مع مقاصد الشريعة العامة، وتدخل ضمن قاعدة: ( إنما الأعمال بالنيات).
1- لا يجوز ذم النفس أمام الغير لأنه ليس من التواضع ، والأصل محاسبة النفس في السر.
2- الأصل عدم جواز مدح النفس إلا لضرورة أو حاجة تقود إلى مصلحة راجحة أن تدفع مفسدة.
3- يتناسب جواز المدح مع مقدار المصلحة أو حاجة مما قد يرتفع به إلى حد الواجب أو ينخفض إلى قدر المباح.
4- عند الإحتياج لمدح الذات لابد من الالتزام بالضوابط الشرعية والمديح للأهداف الشرعية.
5- ما ينطق على مدح الذات ينطبق على حب الاستماع للإطراء والمديح من الغير.
6- وعند استعمال هذه القواعد – بإدراك ووعي – تحقق المصالح داخل الجماعة المسلمة باستعمال الأساليب الشرعية الصحيحة ، وكذلك يظل الدعاة على المنهج الأصيل السامي في الأقوال والتصرفات والسلوك، كما يتعود الدعاة على فهم المنهج الإسلامي في النقد والتقويم وعدم المسارعة في الإتهام والتجريح على ظواهر التصرفات ، وتظل مقاييس التحسين والتقبيح ، أو المدح والتجريح ، وفق المقاييس الشرعية، لا الاعتبارات العرفية ، فتظل الأجواء صافية، والنفوس سليمة ، ويدرأ عنها الكدر ، وتبتعد عنها الفتنة ، وكذلك تحقيق المصالح المبنية على الأساليب التي قد يكرهها الدعاة نتيجة عرف خاطئ أو خوفا من الملامة والنقد ، وعند إدراكها من عموم الدعاة قادة وجنودا يصحح العرف الخاطئ ، ويقل الخوف من النقد والملامة ، فتشاع الأساليب الصحيحة ،وتقدر المصالح بأقدارها . 
** ولا بد من التنويه كذلك أن السماح بمدح الذات وفق ضوابطها لا يعني أنه الأسلوب الوحيد، أو الطريق المتفرد في تقويم الأمراء للأتباع من خلاله فجواز الأخذ به من جانب لا يقود بالضرورة إلى وجود إلزام المستمع به ، فإن للقادة والدعاة من البصيرة الإيمانية، والفراسة الإلهامية، ومن رصيد الخبرة والتجارب ، ومن حنكة العقل والفطرة ما يجعلهم على قدر كبير من التمييز بين الصدق من المدح والمتكلف، وبين إيضاح الحق والإطراء المتعسف، وبين سكينة المنصف والتواضع المغلف، وإذا كانت بعض الأمور يدركها أذكياء البشر بالفطرة والحس، والذكاء والموهبة ، فيكف إذا ما أضيفت إليها الفراسة، فإن لحن القول غالبا ما يبدو ظاهرا لمن رزق التمييز...
وفوق هذا فحتى لو كان القادة من الدعاة يصدقون كل ما يقال ، وكانت آذانهم ( أذن خير ) فإن شهادة الناس لأنفسهم ليست المصدر الوحيد لتقويم الأشخاص، بل هو آخر المصادر، إذ تسبقه عمليات الجرح والتعديل، وشهادات العدول من الثقات، وأقوال الإستفاضة ،وقيام قرائن الأحوال ،وما تفرزه الحياة الاجتماعية مع الناس والجماعية مع الدعاة من بروز خصائص الأفراد ومميزاتهم مما يجعل الخبرة والممارسة موردا ضخما للمعلومات عن الشخص ،واستكشاف حاله.
** ولقد أثبتت التجارب الدعوية أن مادح نفسه ، أو الذين يحبون أن يمدحوا بما لم يفعلوا، غالبا ما تكشف أوراقهم بسرعة ،ويتحول مديحهم إلى نوع من الهجنة المذمومة ، وتكون ألفاظهم ثقيلة الوطء على السامع ، إذا أن لحسن النية جمالا في اللفظ ، وبهاء في النطق ،ولا ينفعها التزويق في اختراق شغاف القلوب ، وإذا كسب مديح الذات جولة ، فإنه لن يستمر فترة طويلة ، فسرعان ما يظهر لحق القول ، فتنسد دونه الآذن ، وتمجه النفوس، ولا يظل عالقا في القلوب إلا ما كان خالصا لله تعالى وحده.  
﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَال ([37]) .
 
** وعلى أية حال ، فإن أصل كراهية مدح الذات أو جوازه كاستثناء، يخضعان لقاعدة ( إنما الأعمال بالنيات ). ومردها إلى إخلاص المرء ومقدار ما يستشعره من مصلحة دينية أو دنيوية من المدح وضده ضمن الضوابط الشرعية ، والتوازن في هذا الأمر مطلوب، كأي أمر آخر في الشريعة ، وعلى كل داعية أن يستوعب وصية الفقهاء: أنه:
( لا ينبغي أن يجهل من نفسه علمها ، ولا أن يتجاوز بها قدر حقها ، ولأن يكون بها مقصرا ، فيذعن بالإنقياد ، أولى من أن يكون بها مجاوزا ، فيكف عن الإزدياد ، لأن من جهل حال نفسه ، كان لغيره أجهل... ) ([38]).
أما الأمراء والعلماء ، فإن أحدهما يوصي – أيضا – بأن:
( يجتنب أني يقول ما لا يفعل. وأن يأمر بما لا يأتمر ، وأن يسر غير ما يظهر ... فإن الإصرار النفس يغريها، ويحسن لها مساويها ، فإن من قال ما لا يفعل فقد مكر ، ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع ، ومن أسر غير ما يظهر فقد نافق .. ) ([39])
** ولما كان أصل كراهية مدح الذات فيها الإخلاص ، فإن الزهد في المدح وكراهيته يقودان إلى الإخلاص فأقبل على الطمع أولا فاذبحه بسكين اليأس ، وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة ، فإذا استقام لك ذبح الطمع الزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص ) ([40]).
ويليق لك في الآخر أن تعجب مع أبن الجوزي – رحمه الله حيث تعجب :
* ( عجبت لمن يعجب بصورته . ويختال في مشيته ، وينسى مبدأ أمره ، إنما أوله لقمه ضمن إليها جرعة ماء .. وأما آخره فإنه يلقى في التراب، فيأكله الدود، ويصير رفاتا تسفيه السوافي.. .. هذا خبر البدن إنما الروح عليها العمل، فإن تجوهرت بالأدب ،وتقومت بالعلم، وعرفت الصانع.
وقامت بحقه، فما يضره نقص المركب ، وإن هي بقيت على صفتها من الجهالة شابهت الطين، بل صارت أحسن حالة منه ... ) ([41])
ثم أن تنصت لوصيته:
إخواني: شمروا عن سوق الدأب في سوق الأداب ، واعتبروا بالراحلين فكأنكم بمبسوط الأمل قد انقبض ، وبمشيد المنى قد انتفض. 

يا سكان الدنيا تأهب *** وأنتظر يوم الفراق
وأعد زاداً بالرحيل *** فسوف يحدى بالرفاق

أين عزائم الرجال؟ ... أين صرائم الأبطال ؟ تدعي وتتواني ، هذا محال. 
أشتاق كم ويحول العزم دونكم *** فادعي بعدكم عني وأعتذر
وأشتكي خطراً بيني وبينكم *** وآية الشوق أن يستصغر الخطر

* ( إن هممت فبادر ، وإن عزمت فثابر ، وأعلم أنه لا يدرك المفاخر من رضي بالصف الآخر ) قال عمر بن عبد العزيز : خلقت لي نفس تواقى لم تزل تتوق إلى الإمارة ، فلما نلتها تأقلت إلى الخلافة ، فلما نلتها تاقت إلى الجنة ) ([42]) .




[1] - رواه البخاري ومسلم.
[2] - فتح الباري 10/564.
[3] - عيون الأخبار/275.
[4] - الحشر /18.
[5] - إحياء علوم الدين 4/404.
[6] - أحياء علوم الدين 4/416.
[7] - النجم /32..
[8] - النساء /49.
[9] - رواه البخاري ومسلم.
[10] - فتح الباري 8/32.
[11] - فتح الباري 8/32
[12] - فتح الباري 5/408.
[13] - رواه البخاري.
[14] - شرح السنة للبلغوي 14/124.
[15] - سورة يوسف /54.
[16] - تفسير الرازي 18/161.
[17] - تفسير القرطبي 9/217.
[18] - الأذكار / 238.
[19] - فواعد الأحكام 2/178.
[20] - مفتاح دار السعادة / 139.
[21] - تفسير الرازي 18/161.
[22] - تفسير القرطبي 9/216.
[23] - رواه البخاري ومسلم.
[24] - فتح الباري 11/291.
[25] - فتاوي ابن تيمية 3/163.
[26] - مقدمة الأشباه والنظائر لابن السبكي ، ولا يزال الكتاب مخطوطا لم يطبع بعد.
[27] - مقدمة كتاب ( الغياثي )7.
[28] - تفسير القرطبي.
[29] - عيون الأخبار 1/275.
[30] - أدب الدنيا والدين للبارودي /82.
[31] - عيون الأخبار 3/276.
[32] - عيون الأخبار 3/275.
[33] - لباب الآداب ، لأسامة بن منقذ / 452.
[34] - إحياء علوم الدين 3/161.
[35] - فتح الباري 10/478.
[36] - تهذيب مدارج السالكين /119.
[37] - سورة الرعد/17.
[38] - أديب الدنيا والدين للمارودي /84/86.
[39] - مرجع سابق .
[40] - الفوائد لابن القيم / 168.
[41] - صيد الخاطر لابن الجوزي / 307.
[42] - المدهش لابن الجوزي/ 228.
 تم النشر يوم  السبت، 2 فبراير 2013 ' الساعة  10:17 ص


 
Toggle Footer