الاثنين، 20 مايو 2013


نماذج مقتبسة من الكتاب والسنة 
يستضاء بها في التربية (2)


د. عبدالرب نواب الدين آل نواب




شاهدنا بعضُ النماذج المُقتبسة من الكتاب العزيز وسُنة النبي - صلى الله عليه وسلم - يستضاء بها في مضمار التربية، كالإخلاص والصدق، وعِفة اللسان، ونكمل بقيتها:



إفشاء السلام:

الإسلام دين السلام والرحمة والوئام، والسلام أمارة المسلم؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ﴾ [النساء: 94].



وهو من الأعمال الجليلة، ومن أسباب دخول الحنة؛ ففي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((ألا أَدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتُموه تحابَبتُم، أفشُوا السلام بينكم))[1].



ولو تأمَّلنا سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لوجَدناها حافلة بتعليم الصغار السلامَ، وتربيتهم وتعويدهم عليه، تأمَّل حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يُسلِّم الصغيرُ على الكبير، والمارُّ على القاعد، والقليلُ على الكثير))[2].



وفي هذا الأمر والتوجه النبوي الكريم، إشعارٌ للأولاد الصغار بمكانتهم الاجتماعية، وأنهم أهل لمبادلة التحية مع مَن يَكبُرونهم سنًّا، أو مقامًا، وأن الصغير يحترم الكبير، ويبدؤه بتحية السلام، هذا من الجانب النظري، أما الجانب التطبيقي، فكذلك، وهو مُتمِّم لجانب التلقين والتعليم، ولقد مرَّ أنس - رضي الله عنه - على صِبيان، فسلَّم عليهم، وقال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله"[3]، وأحواله - صلى الله عليه وسلم - في هذا أكثر من أن تُحصى.



ومن آداب السلام التي ينبغي تربية الولد عليها:

تعليمه صِيَغ السلام المشروعة بدءًا وردًّا، أما البدء به، فهو فضيلة كما سبَق، فيُسلِّم الصغير على الكبير، فيقول: السلام عليكم، ولِما في إفشاء السلام من تعزيزٍ لأواصر المحبة والأُلفة والمودة بين المسلمين.



والصيغة الأكمل، وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



وأن ردَّ السلام واجبٌ، وبَدْؤُه سُنة، وفي وجوب الرد قول الله - تعالى -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ [النساء: 86].



وأن السلام ينبغي أن يُفشَى بين أفراد المجتمع على اختلاف درجاتهم، فلا يقتصر على المعرفة، ولا يكون بين الكبار فقط، ولا يكون عند الحاجة أو لغرضٍ، فإذا انقضت الحاجة فلا سلامَ! فإن هذا كله من الجهل والسَّفه، وقلة الخير.



ففي حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - قال: سأل رجل النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي الإسلام خيرٌ؟ قال: ((تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرَفت ومَن لم تعرف))[4].



وأن هجْر المسلم لا يجوز فوق ثلاث؛ ففي حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يَحِل لرجلٍ أن يَهجُر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان، فيُعرض هذا، ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام))[5].



آداب الاستئذان:

الأولاد الصغار - كما هو معروف - يَكثُر منهم الفضول، وتَكثُر مع ذلك حاجتهم إلى التهذيب والتوجيه، وأدب الاستئذان من الآداب الإسلامية التي ينشأ عليها المسلم منذ صباه، ولقد تنزَّلت آيات من القرآن العظيم تَحضُّ المسلمين على إلزام الأولاد قبل بلوغ الحُلم بهذا الأدب في ثلاثة أوقات، فإذا بلغوا وصاروا مكلَّفين، استأذنوا في سائر الأوقات التي يجب فيها الاستئذان؛ قال الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 58]



ثم قال مُنوِّهًا بأن وجوب الاستئذان يَسري على البالغين جميعًا: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 59].



وعليه؛ فإن هاتين الآيتين ليستا بمنسوختين ولا ناسختين كما زعَمه بعضُ المفسرين، وهذا هو اختيار أماثل المفسرين؛ كابن كثير.



قال ابن الجوزي: وأكثر علماء المفسرين على أن هذه الآية مُحكَمة، ثم علَّل ذلك فقال: لأن معنى هذه الآية: وإذا بلغ الأطفال منكم أو من الأحرار الحُلم، فليَستأذِنوا في جميع الأوقات في الدخول عليكم، ﴿ كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ [النور: 59][6].



يعني: كما استأذن الأحرار الكبار الذين هم قبلهم في الوجود، وهم الذين أُمروا بالاستئذان على كل حالٍ؛ فالبالغ يستأذِن في كل وقتٍ، والطفل والمملوك يستأذنان في العَورات الثلاث، فالأولاد يُؤمَرون بالاستئذان في الأوقات الثلاثة قبل البلوغ، وفي كل وقت بعد البلوغ؛ عملاً بقول الله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النور: 27].



ومن الآداب المتعلقة بالاستئذان - مما يُربَّى عليه الولد - تعليمهم بحُرمة البيوت، وأن لها عَوراتها المَصونة، فلا يجوز النظر إلى داخل بيوت الغير، لا من ثَقْب الباب، ولا من غيره؛ ففي حديث سهل بن سعدٍ - رضي الله عنه - قال: اطَّلَع رجل من جُحْر في حُجَر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع النبي - صلى الله عليه وسلم - مِدرى يَحُك بها رأسه، فقال: ((لو أعلمُ أنك تنظُر، لطعَنت به في عينك؛ إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر))[7].



وعليه، فقد قال لفيف من العلماء: لو طعن صاحبُ البيت في عين المُتلصص عليه، لم يَضمَنه، ولكان هدرًا؛ لأنه أهدَر حُرمة البيت وخالف آداب المسلمين؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو اطَّلع في بيتك أحدٌ، ولم تأذَن له، حذَفته بحَصاةٍ، ففقَأْتَ عينه - ما كان عليك جُناح))[8].



ومن آداب الاستئذان أنه لو استأذَن، فقيل له: مَن؟ فلا يقل: أنا، بل يُسمي نفسه أو كُنيته، أو صَنعته بما يُعرف به، وتعريف الولدان هذا الأدبَ آكدُ؛ لكثرة وقوعهم في ضده، وجهْلهم بحُكمه، وغَفلتهم عنه، وفي حديث جابر - رضي الله عنه - قال: أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في دَينٍ كان على أَبِي، فدَقَقتُ الباب، فقال: ((مَن ذا؟))، فقلت: أنا، قال: ((أنا، أنا))، كأنه كرِهها[9].



وإذا لم يُؤذَن له بعد ثلاث مرات، فليرجع طيِّبَ النفس دون إزعاجٍ ولا صراخٍ كما يفعل السُّفهاء والسفلة، وفي حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا استأذَن أحدكم ثلاثًا، فلم يُؤذَن له، فليرجِع))[10].



هذا ومن صور الاستئذان التي ينبغي ألا يُغفلها الآباء: الاستئذان المتضمن بيانَ الحكم؛ كما في حديث سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: أُتِي النبي - صلى الله عليه وسلم -بشرابٍ، فشرِب منه وعن يمينه غلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: ((أتأذَن لي أن أُعطي هؤلاء؟))، فقال الغلام: والله يا رسول الله، لا أُوثر بنصيبي منك أحدًا! قال: ((فتَلَّه رسول الله في يده))[11].



وإنما فعل ذلك تطييبًا لقلبه، ولبيان الحكم، وأن السُّنة تقديم الأيمن فالأيمن، ولو كان مفضولاً بالنسبة إلى مَن على اليسار كما يقول النووي.



وقد ذكر ابن حجر تعليلات أخرى يتعلم منها الأكياسُ أساليبَ الدعوة وتأليف القلوب، فليَرجع إليها مَن شاء[12].



وقد بسَطت الكلام في هذه المسألة، وما يتعلق بها من آدابٍ وآثار في كتابي: "أدب الاستئذان"، فليُراجعه مَن أراد[13]، وبالله التوفيق.



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه مسلم في كتاب الإيمان، حديث (54)، والترمذي في كتاب الاستئذان، حديث (2688)، وأبو داود في كتاب الأدب، حديث (5193)، وابن ماجه في المقدمة، حديث رقم (68).

[2] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الاستئذان، حديث (6231) واللفظ له، ومسلم في كتاب السلام، حديث (2160).

[3] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الاستئذان، حديث (6247)، ومسلم في كتاب السلام، حديث (2168).

[4] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الإيمان، حديث (12)، ومسلم في كتاب الإيمان، حديث (39).

[5] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الأدب، حديث (6077)، ومسلم في كتاب البر والصلة، حديث (2560).

[6] زاد المسير (6/ 62).

[7] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الاستئذان، حديث (6241)، ومسلم في كتاب الآداب، حديث (2156).

[8] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الدِّيَات، حديث (6888) واللفظ له، ومسلم في كتاب الآداب، حديث (2158).

[9] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الاستئذان، حديث (6250)، ومسلم في كتاب الآداب، حديث رقم (2155).

[10] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب الاستئذان، حديث (6245)، ومسلم في كتاب الآداب، حديث (2153).

[11] متفق عليه؛ رواه البخاري في كتاب المُساقاة، حديث (2351)، ومسلم في كتاب الأشربة، حديث (2030).

[12] انظر: الفتح (10/ 86).


[13] أدب الاستئذان؛ للمؤلف، ط 1409 هـ، دار المجتمع - جدة.



المصدر : شبكة الألوكة
 تم النشر يوم  الاثنين، 20 مايو 2013 ' الساعة  6:40 ص


 
Toggle Footer