الاثنين، 18 مارس 2013


من تصاحب

سلمان بن يحي المالكي

[ تحقيق الأخوة في الله   ]

الحمد الله القائل في محكم كتابه " وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم "[ الأنفال :63] والصلاة والسلام على الهادي البشير القائل " المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء "[ الترمذي/ ح 2390] وبعد: اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك وحب العمل الذي يقربنا إلى حبك .. آمين
إلى من تطلعت نفسه لحب الله وحب رسوله المعصوم صلى الله عليه وسلم .
إلى من أحب في الله وأبغض لله ومنع لله وأعطى لله ..
إلى من علت نفسه وزكت روحه بالنقاء و الطهر والصفاء ..
إلى كل مؤمن حسنت صلته بالله وبعباد الله وإخوانه المسلمين ..
إليكم جميعا ..

أخي الحبيب .. وفقك الله في دنياك وآخرتك .
من أعظم نعم الله تعالى على العبد المسلم أن يجعل صدره سليما من الشحناء والبغضاء نقيا من الغل والحسد صافيا من الغدر والخيانة معافى من الضغينة والحقد ، لا يطوي في قلبه إلا المحبة والإشفاق على المسلمين ، مستمدا سعادته في هذه الدنيا من أساسين مهمين وينبوعين خالصين :
أولا : حسن الصلة بالله تعالى .
وثانيا: حسن الصلة بعباد الله المؤمنين ، الذين عقد الله بينهم رباط الأخوة الإيمانية.
وهذه الرابطة هي من أوثق الروابط ومن أهم الركائز والأسس بعد الإيمان بالله [ أقصد الأخوة في الله ] ولا شك أن الإيمان بالله من الأسس المهمة التي يرتبط بها المسلم في حياته ولقد حثنا ربنا سبحانه بالتمسك بالإسلام فقال جل وعلا " يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون " [ آل عمران آية102 ] ثم امتن بعد ذلك بهذه النعمة الجليلة .. نعمة حسن الصلة بعباد الله فقال [ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا "[ آل عمران آية 103]
ولعظيم أثر هذه الرابطة فقد عمل الإسلام على توثيق عرى الأخوة ببيان فضلها ومقاصدها وثمراتها ووسائل تعميقها ووعد عليها أحسن الجزاء ، بل اعتبرها وسيلة لكثير من المقاصد والغايات الشرعية العامة وها أنا أمعن النظر في هذا الجانب سائلا المولى جلت قدرته أن يمن علي وعليك بالإخلاص والتوفيق والسداد .. أخي على طريق الحق .. من المعلوم لدى المسلم أنه لا أخوة بلا إيمان " إنما المؤمنون إخوة " [ الحجرات آية 10 ] ولا صداقة بلا تقوى " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " [ الزخرف آية 67 ] وإذا انعدمت الصلة الروحية الإيمانية التقت الأجساد على المصالح الذاتية والمنافع الشخصية. ورابطة الأخوة هي قوام المجتمع ، وهي إحدى الدعامات في تأسيس دولة الإسلام في المدينة النبوية بعد هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومما لا يخفى عليك أخي الحبيب أن قصة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار واقع حقيقي ، لكنها في طبيعتها أقرب إلى الأحلام ، ومع ذلك فإن وقوعها كانت على هذه البسيطة بقيادة سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، وصدق الله إذ يقول " لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم " [ الأنفال آية 63 ]
وإذا انفكت هذه الرابطة وانعدمت بين المجتمع تحقق الفشل والضياع للأمة " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " [ الأنفال آية 46] لذا فإن أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم هو ما أسسه رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم بين الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار الذي لولا هذه الأخوة العظيمة وهذه الرابطة المتينة التي تأسست بدورها على الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم لما كان هذا المجتمع المثالي .

( فضائل الأخوة في الله  )

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "وذكر منهم ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " [رواه البخاري ، ح 1357 ] من هذا المنطلق ليس خافيا على كل مسلم ومسلمة فضائل تلك الأخوة الحميدة التي من تأملها وسعى جادا للبحث عنها وجد الطريق لتحقيق معانيها، وسأسوق لك بعضا من فضائلها عل الله ـ عز وجل ـ أن يجعلنا ممن يحقق مقاصدها وثمراتها في مرضاته.

اعلم أخي المسلم .. أختي المسلمة ..
1. أن الأخوة والمحبة في الله من أوثق عرى الإيمان ، وتحقيقها عبادة من العبادات العظيمة ، بل هي من كمال الإيمان ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " من أحب لله , وأبغض لله , وأعطى لله , ومنع لله , فقد استكمل الإيمان " [ رواه أبو داود، ح 4681 ] وبها يتذوق العبد حلاوة الإيمان ولذته لبلوغه الكمال المنشود ، قال عليه الصلاة والسلام " من سره أن يجد طعم الإيمان فليحب المرء لا يحبه إلا لله ـ عز وجل ـ " [ رواه أحمد في مسنده ، ح 7954 ] وقال عليه الصلاة والسلام " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان " وذكر منها... ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله... "[ رواه البخاري ، ح 21 ] وهي طريق إلى الولاء والبراء " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .. " [ المجادلة آية 22 ] .

2.أنه بالأخوة في الله تستجلب محبة الله سبحانه وتعالى ، ففي الحديث القدسي " وجبت محبتي للمتحابين فيَّ, والمتجالسين فيَّ والمتباذلين فيَّ , والمتزاورين فيَّ " [ المستدرك على الصحيحين ، ح 7314 ] .

3.أنها سبيل إلى ظل عرش الجبار جل جلاله ، في يوم يفر المرء فيه من أخيه,وأمه وأبيه ، وصاحبته وبنيه,قال عليه الصلاة والسلام في السبعة الذين يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : " ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " [رواه البخاري ، ح 1357 ] .

4.أنها سلم للوصول إلى الدرجات العلا يوم القيامة ، وسبب في دخول الجنة فلا تجد وجوه المتحابين في الآخرة إلا نيرة وقلوبهم آمنة ، لا يحزنهم الفزع الأكبر ، وصدق نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم حين قال "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا.." [ رواه مسلم ، ح 54 ] .

5.أنها عماد التعاون على البر والتقوى ، ذلك أن الأخوة قوة إيمانية تورث المحبة والثقة والارتباط الذي بدوره يولد أصدق العواطف في اتخاذ مواقف إيجابية من التعاون والإيثار والرحمة والعفو والتكافل ، وفي اتخاذ مواقف سلبية من الابتعاد عن كل ما يضر الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم .

6.أن الأخوة طريق النجاة من وعيد الله تعالى الذي توعد الله به من آثر الحياة الدنيا على محبته سبحانه وتعالى , قال جل وعلا " قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين " [ التوبة آية 24 ].

7.أنها تعتبر سببا من الأسباب الجالبة لأجور عبادات أخرى لا تحصل إلا بها ، فمن ذلك :
أ ) المصافحة : وهي من أسباب مغفرة الذنوب ، كما جاء ذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :" ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان ، إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا " [ رواه أبو داود ، ح 5212 ] .
ب ) عيادة المريض : ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من عاد مريضا أو زار أخاله في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك ، وتبوأت من الجنة منزلا [ رواه الترمذي ، ح 2008 ] .
ج ) السلامة من الخسران في الدنيا والآخرة قال تعالى " والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " [سورة العصر] .
د ) إحياء التزاور بين الأحبة في سبيل تحقيق المحبة لله تعالى ، ويشهد لذلك قوله عليه الصلاة والسلام " وجبت محبتي للمتحابين فيَّ والمتجالسين فيَّ .. الحديث " [ المستدرك على الصحيحن ، ح 7314 ] .
هـ ) تحقيق مبدأ السلام بين المتحابين ، فهو من كمال الإيمان قال عليه الصلاة والسلام " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، و لا تؤمنوا حتى تحابوا ، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم ، أفشوا السلام بينكم " [رواه مسلم ، ح 54 ].
و ) تبادل النصيحة بين الخلان والأحباب ، وهي مما يبعث في المسلم شعورا يكون به مرآة لأخيه ، فإن وجدفيه خيرا شجعه وإن وجد غير ذلك أسدىله النصحية بالحسنى ، قال صلى الله عليه وسلم " الدين النصيحة ! قلنا لمن يارسول الله ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " [رواه مسلم ، ح 55 ] . ورحم الله أمير المؤمنين الفاروق عمربن الخطاب يوم قال :" رحم الله امرءا أهدى لي عيوبي "
ز ) حــب الخير للغير الذي هو من أسباب كمال الإيمان " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " [ رواه البخاري ، ح 13] .
ع )النصرة لدين الله في كل بقعة يرفع فيها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، قال المعصوم صلى الله عليه وسلم : ".. وحقت محبتي للذين يتناصرون من أجلي " [رواه الطبراني في المعجم الصغير ، ح 1095 ] .

( شروط الأخوة في الله  )

أخي الكريم .. أختي الكريمة ..
اعلم أن المسلم إذا ابتعد عن إخوانه وانقطع عنهم فتلك من أعظم العقوبات ، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : "ضياع العالم أن يكون بلا إخوان " [ السير 10 / 42 ] وإذا تأملت عقوبة الثلاثة الذين خلِّفوا ـ رضي الله عنهم ـ في غزوة تبوك ما كانت إلا بانقطاعهم عن إخوانهم واحتجابهم عنهم ، ولا غروى ولا عجب فإن المؤمن بلا إخوان كالعضو المبتور من الجسد ، والغريب من ليس له حبيب وحلية المرء كثرة إخوانه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد شبه المؤمن للمؤمن بالجسد الواحد يشد بعضه بعضا فقال " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " [ البخاري ، ح 5665 ] لذلك كان لابد أن يكون لهذه الأخوة الإيمانية شروطا وضوابط لا تستقيم ولا تتحقق إلا بها ، وإن من ينشد أخوَّة شروطها وفق هواه فهو كمن ينشد الماء في السراب ومن أهم هذه الشروط التي تنبني عليها الأخوة ما يلي :
1. أن تكون خالصة لله عز وجل ، مجردة من المقاصد المادية الدنيوية ، وكلما تخيل المسلم الأجر العظيم الذي يمنحه الله عز وجل للمتحابين فيه ازداد من ذلك العمل تقربا لله تعالى ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم :" أن رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله على مدرجته ملكا , فلما أتى عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخا لي في هذه القرية ، قال : هل لك عليه من نعمة تربها ؟ قال : لا ، غير أني أحببته في الله ـ عز وجل ـ قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه "[رواه مسلم ، ح 2567 ]. فهنيئا ثم هنيئا له بهذه المنزلة الرفيعة , فهلا جددنا النوايا لنفوز بهذا الأجر العظيم
2. اقترانها بالإيمان والتقوى ، فمن تأمل الكثير من الآيات القرآنية التي تحث على الأخوة في الله وجدها مقرونة بالإيمان والتقوى فمن ذلك قوله تعالى " إنما المؤمنون إخوة " [ الحجرات آية 10 ] وقد بين الله عز وجل تبدد العلاقات وانفكاك الروابط إلا ما كان عماده التقوى فقال " الإخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين " [ الزخرف آية 67 ] والإيمان والتقوى من أقوى الوسائل لدوام هذه الرابطة وعدم انقطاعها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أحب الأعمال إلى الله ما دام وإن قل " [ البخاري ، ح 5523].
3. التعاون على البر والتقوى ، وهو الهدف الأول من عقد الأخوة , واختلاله يؤذن بزوالها وتحولها خاصة إذا ما خلت من تقوى الله ـ عز وجل ـ فقد تجر إلى التعاون على الإثم والعدوان " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان " [ المجادلة آية 9 ] ورعاية لهذا الهدف النبيل فإنه يلزم اختيار الأخ والصديق على هذا الأساس ، بحيث يكون معينا على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن أقل ما يستفيده الأخ من أخيه الإنكفاف بسببه عن المعاصي ، رعاية للصحبة وتنافسا في الخير ، وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله " لولا القيام بالأسحار ، وصحبة الأخيار ، ما اخترت البقاء في هذه الدار " .
4.التكافل والتباذل والتضحية والتعاون على ضرورات المعيشة وحاجاتها والاستعانة على نوائب الدهر ، ممتثلين في هذا قوله عليه الصلاة والسلام :" مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[ البخاري ، ح 5665] وإنما يحتاج الإنسان إخوان العشرة لوقت العسرة ورحم الله القائل :

وكل أخٍ عند الهوينى ملاطف ولكنما الإخوان عند الشدائد

قال القاسم بن محمد رحمه الله " قد جعل الله في الصديق البار المقبل عوضا من ذي الرحم العاقل المدبر " [ السير 5/75 ] وما أعظم مسألة موسى عليه الصلاة والسلام حين طلب من ربه أن يجعل معه أخاه هارون وزيرا .
5. أن تكون قائمة على النصح في الله عز وجل ، ولأهمية هذا الشرط , وحمل الرعيل الأول ومن بعدهم على الاعتناء به ، فقد بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة على هذا الأساس ، قال جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : "بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والنصح لكل مسلم " [ رواه البخاري ، ح 1336] .
6. الالتزام بمنهج الإسلام وتعاليمه ، فالأخوة ثابتة والمحبة راسخة ، ما دام الأخ ملتزما بمبادئ الدين وأحكام الشريعة ، فإن بدَّل وغيَّر ، زالت الأخوة وتلاشت المحبة ، قال عليه الصلاة والسلام :" ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه " [ رواه البخاري ، ح 1357 ].
7.أن الأخوة رباط المجتمع وعماده ، وصمام أمانه , وسر قوته ، ويوم يكون المؤمنون جسدا واحدا فإنه يستحيل لقوة بشرية اختراقهم وتفريقهم ، ويوم يتحقق ذلك نرى النتائج الطيبة المثمرة كما حققها الرعيل الأول حين نشروا الإسلام في أنحاء المعمورة وانبثقت عنهم حضارة الإسلام .

( حقوق الأخوة وأدابها  )

لقد شرع الله كثيرا من العبادات الجماعية التي تقوي الصلة بين المسلمين ، كالصلاة المفروضة والحج وصلاة الجمعة والعيدين وغيرها وشرع سبحانه عبادات أخرى تحقق التكافل والتعاون بين المسلمين كالصيام والزكاة ، وأوجب حقوقا وواجبات متبادلة بين الأرحام والجيران ، وتزداد هذه الأخوة إذا كان هذا الجار مسلما صالحا ، كما شرع سبحانه كثيرا من المعاملات التي تزيد روابط المجتمع وثوقا وقوة كالقرض والحوالة ، وحرم معاملات أخرى تهدم تلك الروابط كبيع الأخ على أخيه ، وخطبة الأخ على خطبة أخيه والنجش والربا ، وغيرها من المعاملات المحرمة ، كما قرر أصولا في التعامل كالصدق وبيان عيوب السلعة ، والخيار والوزن بالقسط وغيرها : ومن أعظم ما يعمق الأخوة في الله أمران عظيمان هما :
أ ) القيام بحقوق الأخوة .
ب ) والالتزام بآدابها . وبين هذين الأمرين تشابه وتداخل ، ولكن الحقوق أوجب وألزم من الآداب ، ومن حقوق الأخوة التي يجب القيام بها ما يلي:
1. إفشاء السلام ورده ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، ونصرة المظلوم وإجابة الدعوة وبذل النصيحة وقبولها.
2. ومن الحقوق ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحاسدوا ولا تناجشوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخوا المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، التقوى هاهنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله وعرضه " [ رواه مسلم ، ح 2564 ] . وقوله ( وكونوا عباد الله إخوانا ) فإن فيه الأمر باكتساب ما يصير به المسلمون إخوانا على الإطلاق ويدخل فيه أداء الحقوق الواردة في الحديث .
3. نصرة المظلوم والوقوف بجانبه ومساعدته ورد الظالم عن ظلمه وجوره ، قال عليه الصلاة والسلام :" أنصر أخاك ظالما أو مظلوما فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما فرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره قال تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره " [ رواه البخاري ، ح 6552 ] .
4. تشميته إذا عطس فحمد الله تعالى ، قال عليه الصلاة والسلام :" للمسلم على المسلم أربع خلال ، يشمته إذا عطس .. الحديث "[ رواه ابن ماجة ، ح 1434 ].
5. إبرار قسمه إذا أقسم ، فإن في ذلك تطيب للخاطر وبقاء للمودة والمحبة قال صلى الله عليه وسلم تبعا للحقوق : "وإبرار المقسم .." [ رواه البخاري ، ح 2313 ] .
6. الوقوف بجانبه وتلبية حاجته في السراء والضراء فإن ذلك من حقوق الأخوة ، قال عليه الصلاة والسلام " ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته " [ رواه البخاري ، ح 6551 ]
7. وخلاصة الحقوق ما ثبت في الصحيح " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " [ البخاري ، ح 13 ] .
وأما " أخوة الصحبة في سبيل الله والعمل لدينه " فإن حقوقها أوجب وآكد وتختص بحقوق أخرى كالسعي في قضاء الحاجات بالمال والنفس والجاه والوقت والتضحية بالراحة ، فكما أن لها من المنزلة أعلاها ، فكذلك لها من الحقوق الأخوية أكملها وأوجبها من السؤال وتفقد الأحوال ، وسد الحاجات ، والوفاء بالأخوة والثبات عليها ، وترك التكلف حتى لا يشعر الأخ أخاه أنه غريب فيحوجه إلى الاعتذار عند كل هفوة ، ورحم الله جعفر بن محمد الصادق يوم قال : "أثقل إخواني علي من يتكلف لي وأتحفظ منه وأخفهم على قلبي من أكون معه كما أكون وحدي ". [ إحياء علوم الدين 2 / 188 ] .

أيها المبارك ..
إن التآلف بين المتحابين في الله هي حقيقة الأخوة فهي ثمرة حسن الخلق ، والتفرق ثمرة سوء الخلق وهو مما يثمر التباغض والتدابر ، ولأن حسن الخلق يوجب التحاب والتوافق ، و يجمع الأخوة على المعاشرة الحسنة ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " وخالق الناس بخلق حسن" [ رواه الترمذي ، ح 1987 ] "و من أراد أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه " [ رواه مسلم ، ح 1844 ] وبإخوان الصدق تحلوا الحياة بسماع حديثهم ، ورؤية وجوههم وصدق الحسن البصري رحمه الله يوم قال " اصحب الناس بما شئت أن تصحبهم ، فإنهم سيصحبونك بمثله " [ السير ،4 / 584 ]

وللأخوة آدابا تمنحها رونقا وبهاء وجمالا بين الأحبة ، ومن هذه الآداب :
 1. إعطاء كل واحد من الإخوان حقه ، على اختلاف منازلهم ، بحيث لا يوغر صدور بعضهم على بعض . وما أجمل كلام الإمام الشافعي رحمه الله يوم قال : " ما رفعت أحدا فوق منزلته إلا وضع مني بقدر ما رفعت منه " [ حلية الأولياء 9 / 146 ]
2. بشاشة الوجه ولطافة اللسان ، وسعة القلب ، وسلامة الصدر ، وقبول النصيحة منهم ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه. ويشهد لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق " [ رواه مسلم ، ح 2626 ] .
3. إحسان الظن بهم ، وحمل كلامهم على أحسن الوجوه ، ومعرفة نفسياتهم ، ومن ثم قبول أعذارهم .
4. مناولتهم الهدية ، فإنها مقربة للقلوب ، مذهبة لوحر الصدور ، فكم من هدية أثرت في تائه وقربته من أحبابه وخلانه وأزالت ما به من أدغال وأحقاد ، وكما قيل : الهدية هي السحر الظاهر ، وما أحسن قول الأول :

إن الهديـــــة حلوة كالسحر تجتلب القلوبا
تدني البغيض من الهوى حتى تصيِّره قريبا

وأصدق من هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام " تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور " [رواه الترمذي ، ح 2130] .
5. الصفح عن العثرات ، وستر العيوب ، واحتمال الأخطاء ، لأنها من طبيعة البشر . قيل لعلي ابن الهيثم : ما يجب للصديق : قال كتمان حديث الخلوة ، والمواساة في الشدة وإقامة العثرة " ومن تناسى مساوئ الأخرين دام له ودهم .
6. ملازمة الأخوة وعدم قطعها أو الملل منها وعكسه يورث الفرقة والاختلاف ، وهو أقرب لزوال الود و الإخاء ، وبحسن المعاشرة تدوم المحبة ، وليُعلم أن الباقي خير من الفاني ، قيل لمحمد بن المنكدر : ما بقي من لذتك ؟ قال : التقاء الإخوان .
7. موافقة الصاحب لصاحبه في غير الأمور المحذورة ، فإن ذلك من أسباب بقاء الصحبة وتأكيدها ، وعكسه بعكسه .
8. إخبار الأخ لأخيه أنه يحبه ، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه " [ رواه أبو داود ، ح 5124 ] .
9. المشاورة وقبول الرأي الصائب والإيثار ، والدفاع عن أعراض الإخوان والذب عنهم ,، والانتصار لهم .واسمع ما قاله أبو هريرة : ما رأيت أحدا أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم " [ صحيح ابن حبان ، ح 4872 ] .
10. الحرص على خدمتهم ، ومشاركتهم في أفراحهم وأحزانهم ، والوفاء لهم بعد مماتهم ، والتودد إليهم بصنائع المعروف .
11. مواساتهم بالمال ، والصبر على جفائهم وإكرامهم ، وإكرام أهل الصاحب وأولاده .
12. حسن الاستماع إلى كلامهم ، والتلذذ لحديثهم ، وإياك والمقاطعة وصرف البصر عنهم ، وكن كالإمام المحدث سفيان الثوري رحمه الله حين قال "إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته قبل أن تلده أمه فيحملني حسن الأدب لأن أسمعه " [ تاريخ دمشق 1 / 409]
13. التعريض بالنصيحة في السر ، فمن وعظ أخاه سرا فقد نصحه ، ومن وعظ أخاه علانية فقد فضحه ، قال عليه الصلاة والسلام " وإذا استنصحك فانصح له "[ رواه مسلم ، ح 1262 ] والعفو والصفح في تقصير حق الآخرين فضيلة ، وكما قال صاحب طب القلوب :" إذا قصر الأخ في حق الأخ فالواجب الاحتمال والعفو والصفح ، إلا إذا كان بحيث يؤدي استمراره إلى قطيعة ، فالعتاب في السر خير من القطيعة ، والتعريض به خير من التصريح ، والمكاتبة خير من المشافهة ، والاحتمال خير من الكَل " [ خواطر في الدعوة 1 / 59 ] .
14. مراعاة النفسيات ، وعدم المواجهة بالعتاب ، فالنفس البشرية كالبحر تهدأ تارة وتهيج أخرى ، وأن لا يكون الأخ ثقيلا على أخيه ، وترك الجفاء والابتعاد عنه فـليس كل غيبة جفوة ولا كل لقاء مودة , وإنما هو تقارب القلوب .
15. خفة النفس ولباقة التعامل ومراعاة ظروف الإخوان ومشاعرهم أدب ظريف يضفي على الأخوة طابعا جميلا .
16. اجتناب الحسد وإخلاف الوعد والمخالفة في أمور الدنيا والغضب والمن بالمعروف وقبول الوشاية والنميمة .
17.عدم الاحتجاب عن الإخوان لغير سبب ، فهم الزينة في الرخاء ، والعصمة في البلاء ، وإن رؤيتهم لتفرح القلب ، وتريح النفس وتزيل الغم ، وما الفرقة إلا سبب لحصول الجفوة ، وانقطاع المودة .

أخي المبارك ..
قديما قيل : قل لي من تصاحب ؟! أقل لك من أنت ، ومصادقة لهذا المثل قال النبي صلى الله عليه وسلم :" الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " [ رواه أبو داود ، ح 4833 ] . وقد أوصى بعض الحكماء أحد أبنائه قائلا : "يا بنى إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك ، وإن صحبته زانك " إن اختيار الصديق مرحلة خطيرة تشبه مرحلة اختيار الزوجة من حيث إنها تشكل منعطفا في حياة المرءله ما بعده ، وما أحسن ما قاله وهب بن منبه رحمه الله " استكثر من الإخوان ما استطعت ، فإن استغنيت عنهم لم يضروك ، وإن احتجت إليهم نفــعــوك " [ السير 4 / 550 ]


 وإذا أردت اختيار الصديق الصالح فلك أن تنظر إلى هذه الأمور ، ومن خلالها يتبن لك من تصاحب ..؟
1. سلامة دينه من البدعة والفسق وعدم إيثار الدنيا ، وذلك أن من شروط الأخوة كما ذكرنا آنفا قيامها على الإيمان والتقوى ورحم الله إمام البصرة وعالمها الحسن ، إذْ يقول : إخواننا أحب إلينا من أهلنا ، إخواننا يذكروننا بالآخرة ، وأهلونا يذكروننا بالدنيا " [ الإحياء 2/191 ] .
2. أن يكون خلقه حسنا وقوله طيبا ، وأن يوافق عمله قوله " فلا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي " [ رواه أبو داود ، ح 4832 ] .
3. أن يداوم النصح ، ويأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر فكما قيل الأخ مرآة أخيه .
4. أن يؤثر ذلك الخليل على نفسه ، ويكف أذاه ، ويستعد لبذل المعروف .
5. سلامة عقله ، وحسن اختياره ، وسداد رأيه ، وشدة تأثيره على صاحبه .
6. الجدية في الحياة ، وحسن استغلاله لوقته .
7. الحذر كل الحذر من صحبة البطالين الذين ليسوا في شغل نافع من أمر دينهم و دنياهم ، وإن كان ظاهرهم الصلاح ، فإن هؤلاء أكثر ما يضيعون أوقاتهم وأوقات غيرهم فيما لا فائدة فيه .
الحذر من مصاحبة من لا يحب مصاحبتك ، ولا يرعاك إلا تكلفا أو على كره ، فلا تفرض عليه أخوة خاصة ، ومن الخير أن تبقى العلاقة معبر في إطار محبة الإسلام وكفى قول الشاعر :
إذا المرء لا يرعاك إلا تكـــلفا فدعه ولا تكثر عليه التأسفــــا
ففي الناس إبدال وفي الترك راحة وفي القلب صبر للحبيب ولو جفا
8. الابتعاد عن السفلة والجهال ومصاحبتهم فهي تحط الهيبة ، وتضع المنزلة ، وتكل الكسل ، وتزري الإنسان ، ورحمك الله يا أبا العتاهية يوم قلت :

فلا تصحب أخا الجهل وإيـاك وإياه
فكم من جــاهل أردى حليما حين آخاه

وأخيرا أخي المسلم .
اعلم أن لقاء الإخوان جلاء الأحزان وأن الناس أنواع وأصناف ودرجات ، ولكل واحد منهم منزلة ومكانة خاصة .فالواجب عليك أخي الحبيب إنزال الناس منازلهم وأن تمنح من وقتك وجهدك لكل منهم ما يليق به ، ويتناسب مع مستواه ، ومن جهل أقدار الرجال كان بنفسه أجهل ، ولذلك كان من أعسر الأمور ، إدارة العلاقات الاجتماعية لحاجتها إلى فهم النفسيات وحسن التعامل معها .

( آفات الأخوة ومفسداتها  )

آفات الأخوة أمر لا يغفل عنه ، ولا يعني ذكر آفات الأخوة هو التقليل من قيمتها وشأنها وإنما المقصود صيانتها مما يمسها، ومن آفات الأخوة ومفسداتها ما يلي :
1. الإخلال بحقوق الأخوة وآدابها ، مما يؤدي إلى فصم عرى الأخوة ، وتضييع مقصودها . ومن صور الإخلال ما يلي :
أ ) ترك النصح والنصيحة ، وآداب الحديث والمحادثة .
ب) ضعف الاحترام ، وكثرة النقد والجدال والمعارضة .
ج)النصيحة في العلن ، واسمع رسالة أخ أرسلها لأخيه قال فيها :

تعمدني بنصحك في انفرادي وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع من التوبيخ لا أرضى سماعه

د)تصديق النمامين والحاسدين وإذاعة السر .
هـ) التدخل في خصوصيات الصديق وعدم الاكتراث بمشاكله وظروفه .
و) الحرص على إظهار الذات ، وتحقيق الوجاهة من خلاله .
2. طلب صفات الكمال في الخليل : ومن خلال هذا يتبين أن الأخوة جهد بشري ، وأن الدنيا لا تخلو من منغصات ، ولذا فقد أباح الشارع الهجر إلى ثلاث ، وإنما يطيب العيش في الجنة إن شاء الله تعالى .
3. الأثرة وحب النفس ، وتقديم حاجاتها مطلقا على ضرورات الأخوة وحاجاتهم .
4. دخول رابطة من روابط الجاهلية ، كرابطة الجنس أو النسب أو العشيرة أو الوطنية أو المصالح المشتركة التي تكون عائقا مستقبليا للأساس التي قامت عليه الأخوة ، وما أحسن قول الشاعر :

أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم

5.الإفراط في المعاتبة والنظر إلى السلبيات دون النظر إلى الإيجابيات ، وترك الاعتذار أو التسامح واسمع كلام رجاء بن حيوة حين قال :" من لم يؤاخ إلا من لا عيب فيه قل صديقه ، ومن لم يرض من صديقه إلا بالإخلاص دام سخطه ، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه " [ السير 4 / 558 ] . وقد أحسن الشاعر يوم قال :

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذا ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

6. تصيد الأخطاء ، فإن ذلك يوغر الصدر ,وهو مناقض لمقصد النصيحة وحسن الظن وليُعرف أن " كل ابن آدم خطاء ، وخير الخطائين التوابون " [رواه الترمذي ، ح 2499 ] .
7. القدح بما ينقصه ، والتعيير بما ليس فيه ,وطوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، وقديما قيل : من عيَّر أخاه بذنب لم يمت حتى يقع فيه .
8. الطمع في الدنيا وفي أيدي الناس ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس " [ المستدرك على الصحيحين ، ح 7873 ] ومن تمام أخوة الصادقين أنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، وقد امتدح الله الأنصار بهذا فقال " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة .." وصح عنه عليه الصلاةوالسلام قوله " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " [ رواه البخاري ، ح 13 ] .
9. سوء الظن : وهو جالب للهم والغم ، ومتضمن ظلم المظنون فيه ، فكم ظن في رجل سوء وعومل على أساسه سنوات دون علمه ومن غير سؤاله والاستفسار منه ، ثم تبين خلاف ذلك .
10. كثرة المخالطة بحيث تقصد لذاتها لمجرد المؤانسة ، فتنصرف عن المقصود التي من أجله قامت عليه الأخوة ، ثم بعد ذلك حدث ولا حرج عن كثرة الزلات والعثرات وضياع الوقت بسبب كثرة المخالطة ، وزد على ذلك ، زوال الكلفة ويتولد من التزين و البطالة الضيق عن العفو فيكثر العقاب والتأنيب واللوم والمحاسبة ، وتضيق القلوب ، وحينئذ اقرأ على الأخوة تحية الموتى لأن الناظر الحقيقي للأخوة النافعة هي التي تذكر بالآخرة ، وتعين على البر والتقوى فإن غاب هذا القصد حل مكانه التزين والبطالة .
11.ضعف الاحتكام إلى شرع الله سبحانه وتعالى ، وإلى الضوابط الشرعية التي تحكم علاقات الناس .
12. التفريط في الطاعات ، والوقوع في المعاصي والمخالفات مما يجعلها تقوم على الإثم والعدوان ، وهذا واضح في أن هذه الأخوة لم تقم على الشروط الأساسية التي لا تقوم الأخوة إلا بها " و ما تواد اثنان في الله فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما " [ رواه البخاري في الأدب المفرد ، ح 401 ] .
13. التحفظ والتكلف والإثقال على الصاحب ، ومراقبته في قيامه بحقوق الأخوة ، و ما أجمل كلام ابن القيم رحمه الله " العارف لا يرى له على أحد حقا ، ولا يشهد له على غيره فضلا ولذلك لا يعاقب ولا يطالب " [مدارج السالكين 1 / 561]
14. برود العاطفة وضعف الحنين ، فتفتقد الأخوة وقودها الذي يخفف عن النفس القيام بحقوقها فإن المحبة الصادقة والعاطفة الجياشة تحمل الأخ على الدعاء لأخيه ، والقيام بحقوقه والإحساس بقيمته وخطورة فقده ، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" ما تحاب رجلان في الله إلا كان أفضلهما أشدهما حبا لصاحبه " [ رواه البخاري في الأدب المفرد , ح 544 ] .
15. التفريط في إظهار المحبة أو ما يدل عليها وما يستجلبها ويزيدها ، كإعلام المحبة والهدية والشكر والثناء بالدعاء وغيره ويصدق لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه " [ رواه أبو داود ، ح 5124 ] .
16. إهمال الدفاع عنه في غيبته ، فإن ذلك ترك لحق النصرة ، وخذلان للأخ وعدم استشعاره قول النبي صلى الله عليه وسلم " من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة " [ رواه الترمذي ، ح 1931 ] .
17. الإفراط والغلو في المحبة ، فأحب حبيبك هونا ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما ، عسى أن يكون حبيبك يوما ما " [ رواه الترمذي ، ح 1997 ] .
18.التلهي عنه بغيره , وقلة الوفاء ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحسن إلى صديقات خديجة رضي الله عنها ويقول " إن حسن العهد من الإيمان " [ المستدرك على الصحيحين ، ح 40 ] .
19. كثرة الإفراط في المدح ، وصيانة للأفراد من الغرور والإعجاب بالنفس وحفاظا على المجتمع الإسلامي فقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الإطراء والمدح ، ويوم سمع رجلا يثني على رجل ويطريه في المدح قال " أهلكتم ــ أو قطعتم ــ ظهر الرجل " [ رواه البخاري ، ح 5713 ] .

( كيف تكسب الآخرين..؟  )

أخي الحبيب ..
إن الإنسان الناجح في حياته هو الذي يستطيع أن يؤثر في الناس بخلقه وسلوكه وأخوَّته ، وفي الحقيقة إن زرع معاني الأخوة في القلوب وجعل الناس يمارسونها في الواقع وينصهرون في بوتقتها ليس بالأمر اليسير ، إلا إنه يسير على من يسره الله عليه ، لذا فإن هناك أسسا وآدابا ووسائل يمكن من خلالها كسب الآخرين وتأليف قلوبهم وجعلهم أخوة متحابين بإذن الله ، ومن هذه الوسائل والآداب ما يلي :
1. الحصول على أكبر قدر من العلم الشرعي ، فإنه لا يمكن لأي إنسان أن يكون داعية إلى الخير ومعاني الأخوة الإسلامية إن لم يكن له حصيلة علمية نقية وفقه في الدين ، لأن الإنسان مدني بطبعه يحب الاختلاط والاجتماع والله يقول " وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .." [ سورة الحجرات : آية 13 ] فهو معرض لأسئلة الناس واستفساراتهم وصدق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال :"حدثوا الناس بمايعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله " [ رواه البخاري ، ح 127 ] .

2.القدوة الحسنة ، فمن طابق قوله فعله وظاهره باطنه كان ناجحا في كسب الآخرين وإن الرجل لا يحسن كسب الأخرين حتى يكون قلبه مع لسانه سواء ، ويكون لسانه مع قلبه سواء ، ولا يخالف قوله عمله ، وهذا من أقوى الوسائل لكسب الناس إلى الخير والفضيلة ، كيف لا والله جل وعلا يقول : "يا أيها الذين أمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " [ سورة الصف : آية 2، 3 ]

3.الحلم والصبر ، وإنما الحلم بالتحلم والإنسان الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم لا شك أنه أفضل من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ، لذا فإن الحلم والصبر من الصفات الضروية لكسب الآخرين ، وعكسه يولد الغلظة والنفرة والله يقول لنبيه عليه الصلاة والسلام : "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفظوا من حولك "[ سورة آل عمران : آية 159 ] .

4. لطف المعاشرة والمسامحة ، ومحاولة إدخال السرور والأمل في قلوب الأخرين وهذا باب يفتح القلوب فتتقبل ما يعرض عليها بكل رحابة وسرور ، وبحسـن المعاشرة تدوم المودة ، قال عليه الصلاة والسلام : "ألا أخبركم بمن يحرم على النار أو بمن تحرم عليه النار تحرم على كل هين قريب سهل "[ رواه الترمذي ، ح 2488 ] وما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما " [ رواه البخاري ، ح 3367 ] .

5. التواضع وخفض الجناح للأخرين ، وهو باب يفتح القلوب الغلف إلى الحق ، وبه تحبب النفوس إلى الإيمان وما تواضع أحد لله إلا رفعه ، قال عليه الصلاة والسلام : "إن من أحبكم إلى أحاسنكم أخلاقا ، الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون " .[ رواه الطبراني في المعجم الصغير ، ح 605 ] .
6. حسن الكلام وطيبه ، وهو مما يفظ للأصدقاء مودتهم ويقوي أخوتهم ، ويبطل كيد الشيطان ويسد طريق الإفساد والتفريق بينهم وهو سبيل إلى محبة الأخرين فمن لانت كلمته وجبت محبته ، واقرأ إن شئت قوله تعالى " وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط مستقيم " .[ سورة الحج : آية 24 ] .
7. خدمة الآخرين وحل مشكلاتهم ، وهو شعور اجتماعي نبيل ينم عن صدق الإيمان وصفاء العقيدة وطهارة السريرة ، وقد أحسن القائل :

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان

وأحسن منه قوله عليه الصلاة والسلام : "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " [ رواه الطبراني في المعجم الصغير ، ح 907 ]

( مع الرعيل الأول  )

أخي رعاك الباري ..
ما أجمل أن نقلب صورا أشرقت بالحب والوئام .. واتسمت بالصفاء والنقاء ..
صفحات بيضاء حملها التاريخ إلينا ليعلن للجميع أن الأخوة والمحبة انبثقت من قلوب مخلصة حققت أسمى معاني الأخوة الصادقة .. نعم.. إنهم رعيلنا الأول .. وسلفنا الصالح .. فهيا إلى بعضا من أخبارهم الزاخرة لنعلن للجميع أنهم قدوتنا بعد النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم
1. اسمع رحمك الله إلى قول أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب يوم عرف قيمة الأخوة في الله فقال : "إذا رزقكم الله ـ عز وجل ـ مودة امرئ مسلم فتشبثوا بها " [أخرجه ابن أبي الدنيا ص81 ] .

2. وكان ابن مسعود ــ رضي الله عنه ــ إذا خرج إلى أصحابه قال :" أنتم جلاء حزني " [أخرجه ابن أبي الدنيا ص135 ] .

3. ولما أتى عمر الشام استقبله أبو عبيدة بن الجراح , وفاض إليه ألما ، فالتزمه عمر ، وقبل يده وجعلا يبكيان " [ أخرجه البيهقي ، ج 7 / 101 ] .

4. ولقي حكيم بن حزام عبد الله بن الزبير ـ رضي الله عنهما ـ بعد قتل الزبير ـ رضي الله عنه ـ فقال : كم ترك أخي من الدَّين؟ قال : ألفي ألف . قال : عليَّ منها ألف ألف " [ رواه البخاري ، ح 2961 ] .

5. ورئي على علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ثوب كأنه يُكثر لبسه , فقيل له فيه , فقال : " هذا كسانيه خليلي وصفيي " [ أخرجه ابن أبي الدنيا ص 248 ] .

6. وكان بلال بن سعد الأشعري يقول : " أخ لك كلما لقيك ذكرك بحظك من الله خير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا " [ أخرجه أبو نعيم في الحلية ، ج 5 / ص 17 ] .

7. وهذا خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يذكر الرجل من إخوانه في بعض الليل فيقول ياطولها من ليلة ، فإذا صلى المكتوبة غدا إليه ، فإذا التقيا عانقه " [ رواه أحمد في مسنده 123 ] . وكان يُقبِّل رأس أبي بكر [ أخرجه ابن أبي الدنيا ص 199 ] .

8. وكان المحدث القارئ طلحة بن مصرف إذا لقي مالك ابن مغول يقول له : "لَلُقياك أحب إلي من العسل "[ رواه أبو نعيم في الحلية ج 5 / 17 ] .

9. وقال أبو خلدة : دخلنا على ابن سيرين أنا وعبد الله ابن عون فرحبَّ بنا وقال : ما أدري كيف أتحفكم ؟ كل رجل منكم في بيته خبز ولحم ، ولكن سأطعمكم شيئا لا أراه في بيوتكم ، فجاء بشهدة وكان يقطع بالسكين ويطعمنا [ أخرجه أبو نعيم في الحلية ج 4/ 269 ] " الشهدة جمع شهد والشهد: العَسَل لـم يُعْصَرْ من شَمعه " [ لسان العرب ج 3 / 243 ] .

فأين واقعنا الذي لا يخلو من المشاحنات والخلافات والبحث عن الزلات من واقع سلفنا الصالح رضي الله عنهم " هيا بنا نؤمن ساعة " وهيا بنا نبك من خشية الله ، فإن لم نجد بكاء تباكينا علَّ الله أن يرحمنا " ولذلك تجد أن هذه الأخوة مشاعر موحدة وعلاقة ممتدة..! ولو تأملت حق التأمل في معنى الأخوة والمحبة في الله يجد أنها علاقة ممتدة حتى الخلود ..!
قد تقول كيف .؟ فأقول لك :
من المعلوم أن المسلم تمتد علاقته بإخوانه عند الموت ، فهو يودع الدنيا بإعلان التوحيد كما دخلها " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " [ رواه مسلم ، ح 916 ] وتمتد علاقته بإخوانه أيضا بعد الموت ، فيصلي المسلم على أخيه المسلم صلاة الجنازة ، ولو كان بعيدا غائبا ولو لم يره في حياته ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما صلى على النجاشي قال :" إن أخا لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه "[ رواه مسلم ، ح 952 ] . ورغم أن دفن الميت يكفي في القيام به نفر قليل ، إلا أن إخوانه المسلمين لا يتركونه بعد موته يذهب وحيدا إلى أول منازل الآخرة بل يشيعونه إلى قبره كما يشيع الضيف العزيز الراحل .
ولا تقف العلاقة إلى هذا الحد ، بل تمتد حتى لما بعد البعث ، وهناك في يوم القيامة تبرز المشاعر والعلاقات بين الناس فــ " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلى المتقين " [ الزخرف : 67 ] والمرء مع من أحب ، وتستمر مشاعر الأخوة وعلاقتها حتى بعد المستقر في الجنة " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " [ الحجر :47 ] .. فما أجل هذه الأخوة وما أعظمها .. حقا إنها مشاعر موحدة وعلاقة ممتدة ..
المصدر : موقع صيد الفوائد

 تم النشر يوم  الاثنين، 18 مارس 2013 ' الساعة  11:39 ص


 
Toggle Footer